كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

روى الجبرتي "المؤرخ المصري في تاريخه المعروف" عجائب الآثار تلك الحادثة التي وقعت

المصدر
روى الجبرتي "المؤرخ المصري في تاريخه المعروف" عجائب الآثار تلك الحادثة التي وقعت في شهر رمضان سنة 1123هـ وذلك قبل أن يقوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة التوحيد حيث ولد رضي الله عنه سنة 1115هـ. يقول الجبرتي عن هذه الحادثة: "إن واعظا تركيا وفد من الروم إلى مصر، في تلك السنة 1123هـ وجلس يعظ الناس في جامع "المؤيد" بالقاهرة.. وقد كثر عليه الناس وازدحم بهم المسجد، ثم انتقل من الوعظ، فذكر ما كان يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقاد الشموع على قبور الأولياء، وتقبيل أعتابهم، وأن ذلك كفر يجب على الناس تركه وعلى ولاة الأمور السعي إلى إبطال ذلك.. "وقد ذكر - أي الواعظ - عن قول الشعراني، في كتابه: "الطبقات الكبرى" أن بعض الأولياء، اطلع على اللوح المحفوظ فقال الواعظ: إنه لا يجوز ذلك، ولا يطلع عليه الأنبياء فضلاً عن الأولياء.. وكان فيما قال الواعظ إنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء، كما لا يجوز بناء التكايا ، ويجب هدم ذلك جميعا". ثم يقول الجبرتي معلقا على ما كان لدعوة هذا الواعظ من أثر، وما جرى بعدها من أحداث: "فقامت لهذا قيامة العلماء، فدسوا عليه من يشوش، ويخفت صوته". هذا ما كان من العلماء، وأدعياء العلم من تلك الدعوة إلى إزالة معالم الشرك وطمس وجوهها، وقد كان المرجو منهم أن يقوموا هم بتلك الدعوة، أو أن يناصروها وذلك أضعف الإيمان، ولكنهم وقفوا في وجه هذه الدعوة وأنكروها على صاحبها.. فكيف لا يعم البلاء، ولا يستشري الشر، وترتفع رايات الشرك، والعلماء هم الذين يحملون تلك الرايات المشئومة؟ بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح، إذ حلت به الغير؟ ثم يقول الجبرتي: "ولكن الواعظ مضى في طريقه، وانتقل هو وأتباعه من القول إلى العمل، وبدأ الصدام، بأن خرج الشيخ الواعظ وأتباعه بعد صلاة التراويح ووقفوا بالعصي والأسلحة على باب زويلة - بالقرب من الأزهر - فهرب الذين كانوا يقفون به ثم قطعوا ما علق من جوخ وأكر 1 وهم يقولون أين الأولياء؟ ثم يقول الجبرتي: "وهنا أسرع بعض الناس إلى علماء الأزهر؛ ليفتوهم في قول هذا الواعظ" فماذا قال شيوخ الأزهر يومئذ في هذا الذي يدعو إليه الواعظ من القضاء على تلك البدع التي تنخر في عقيدة المسلمين كما تنخر السوس في حبات البر؟ يقول الجبرتي: "فكتب شيخان من شيوخ الأزهر؛ وهما الشيخ أحمد النفراوي، والشيخ أحمد الخليفي، وهما من كبار شيوخ الأزهر ينتقضان قول الواعظ، ويطلبان من الحاكم زجره. "وأخذ بعض الناس هذه الفتوى، فدفعوها إلى الواعظ في مجلس وعظه، فلما قرأها غضب، وقال: إن العلماء أفتوا بغير ما قلت، وأنا أريد أن أجادلهم في مجلس القاضي.. فهل منكم من يساعدني على ذلك وينصر الحق؟ فقال له أنصاره: نحن معك لا نفارقك.. فنزل عن كرسي وعظه واجتمع عليه الناس قريب من ألف، فسار بهم وسط القاهرة إلى أن دخل بيت القاضي.. فلما رآهم القاضي بهذه الكثرة انزعج منهم ثم سألهم عما يريدون؟ فقالوا: نريد أن يحضر هؤلاء الذين أصدروا هذه الفتوى لنباحثهم أمامك.. فقال القاضي: اصرفوا هذه الجموع، ثم نحضرهما ونستمع إلى مجادلتكم معهما.. ولكن أحدا لم ينصرف، بل تكاثروا على القاضي، وقالوا له: ماذا تقول أنت في هذه الفتوى؟ فقال: هي باطلة .. فطلبوا منه أن يكتب حجة بذلك. فلما رأى القاضي أن الأمر جد، وأنهم لا يريدون أن يتركوه، أراد أن يعمل فيهم الحيلة للواعظ ومن معه.. "فقال: إن الوقت قد ضاق، والشهود قد خرجوا . فلنترك ذلك إلى الغد. "فلما سمعوا ذلك من ترجمان القاضي - لأن القاضي تركي ولا يعرف العربية - لما سمعوا من الترجمان هذا الكلام، ضربوه واختفى القاضي ومعه حريمه!! وهل انتهى الأمر عند ذلك؟ كلا، فإن الرواية لم تتم فصولا. ويمضي الجبرتي في إتمام هذه الرواية، أو المهزلة التي يمثلها علماء الدين وقاضي الشريعة التركي، والوالي العثماني. حيث يستدعي الواعظ إلى مجلس الوالي وقد قيل له: إن الوالي يريد أن تجتمع عنده مع هؤلاء العلماء الذين تتهمهم فيما أفتوا به. وهناك في دار الوالي، كان الكيد العظيم لهذا الواعظ حيث تخطفه الجند وألقوا به إلى حيث لا يعلم إلا الله، وبهذا اختفى الواعظ إلى يوم الناس هذا