كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من شبه أهل الحديث بالملائكة: جالسوهم وبسطوا لهم أجنحتهم فاقتبسوا من نورهم...

المصدر
من شبه أهل الحديث بالملائكة: جالسوهم وبسطوا لهم أجنحتهم فاقتبسوا من نورهم... قال الخطيب البغدادي في «شرف أصحاب الحديث»: "أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد الرازي، بنيسابور، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا قبيصة، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: «الملائكة حُرَّاس السماء، وأصحاب الحديث حُرَّاس الأرض»". ويبدو أن هذا الخبر مأخوذ من تصانيف ابن أبي حاتم. وقد ورد في الحديث أن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر، كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر». ومجالس الذكر ليست هي مجالس الرقص والغناء ولا مجالس أهل الكلام ولا أهل الرأي، وإنما مجالس أهل الحديث. والملائكة حسان الصورة، كما في سورة يوسف: {وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف ٣١]. وفي الحديث في مسند أحمد وفي «الأدب المفرد» للبخاري عن النبي ﷺ في شأن جرير: «ألا وإن على وجهه مسحة ملك» وذلك لحسن صورته. وقد ثبت هذا المعنى لأهل الحديث، كما ورد في الخبر المتواتر عن النبي ﷺ: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا حفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه». وهذه فضيلة أهل الحديث، فهم من يبلِّغ سنة رسول الله ﷺ. قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» [1/ 11]: "وقال أيضا: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه؛ ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيها ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ؛ لما أعطي المبلغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدا من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لدعوة النبي ﷺ يقال: نَضَرَ ونَضُرَ، والفتح أفصح. ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث حتى قال الشافعي رضي الله عنه: إذا رأيت رجلا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي ﷺ". وفي «لسان العرب» [1/535]: "والأصل في الهمزة أن تكون قبل اللام لأنه من الألوكة، وهي الرسالة". فاسم الملائكة اشتق من الألوكة، وهي الرسالة، فهذه أخص صفاتهم، لهذا استحق أهل الحديث الذين يُبلِّغون عن النبي ﷺ حُسناً كحسن الملائكة يبصره أهل الإيمان. وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة ١٥٩]. فسَّر قتادة اللاعنين بالملائكة، وهو وجيه، وفسَّره غيره بالبهائم، ولا تعارض. وأشد مِن الكاتم الكاذبُ على النبي ﷺ المحرف لدينه «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، وكلهم مشترك في تغمية الحق على الخلق. وهؤلاء إنما يفضحهم ويُظهِر في الخلق سبَّهم والحطَّ عليهم خواصُ أهل الحديث، فشابهوا الملائكة إذ لعنوا الكاتمين. وقد ورد عن النبي ﷺ من حديث جابر في مسند أحمد والدارمي: «خلوا ظهري للملائكة» يعني أن الملائكة يحمونه ويَقونه، وهذا المعنى ثابت لأهل الحديث، إذ يذبُّون الكذب عن سنته ﷺ. وقال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب ٥٦]. وأكثر الناس صلاةً على النبي ﷺ هم أهل الحديث، لكثرة ذكرهم له ﷺ. ولهذا كله قال سفيان ما قال.