كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال ابن سينا كما في تسعة رسائل له في الحكمة والطبيعيات الرسالة الثانية ص54 :" لك

المصدر
قال ابن سينا كما في تسعة رسائل له في الحكمة والطبيعيات الرسالة الثانية ص54 :" لكن القوم يتعجبون مما استندروه فألهمهم التعجب والبحث عن العلة ولم يعرض لهم ذلك فيما كثرت مشاهدتهم له والدليل على ذلك أن في المركبات ما حكمه أعجب من حكم المغناطيس في جذب الحديد وهذا الحيوان الحساس المتحرك بالإرادة الذي يغتذي وينمو ويولد بل الإنسان وما يخصه من الأحكام الإنسانية وهؤلاء القوم من المتفلسفة لما لم يعرفوا الأصول وأخذوا يتعجبون من النار وأخذوا ينكرون أيضاً النادر إذ لم يضطرهم إلى الإقرار به المشاهدة فأنكروا الوحي ومعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والرؤيا والعين والكهانة والوهم والعرافة وكثيراً من أمثال هذه الأشياء ، وأما المحققون من الحكماء ففرقة موجبة لوجود جميع هذه الأشياء لما أمعنت في البحث إمعاناً مستقصياً وفرقة مجوزة لما كادت أن تبلغ درجتهم ولم تبلغ بعد والمشهورون من أهل الدرجة الأولى عددهم قليل ويوشك أن يكون عدد من أعرفه منهم في هذه الستة آلاف سنة من المتفلسفة ثلاثة أو أربعة ولهذا نحن ننكر أن يشتغل الناس بهذه العلوم فإن المستعدين لها قليل والمستفرغين من المستعدين أقل والصابرين بعد الفراغ أقل كثيراً " أقول : ابن سينا هنا يتكلم عن الفلسفة الطبيعية وأن هناك فلاسفة ماديين أكسبهم كثرة النظر في المادة جموداً جعلهم ينكرون كل نادر للوقوع غير مشاهد ( وهذا حال الكثيرين منهم اليوم في الغرب ) ثم يعقب أن الغالبية من الحكماء ( يعني الفلاسفة ) يخالفونهم في هذا النفي فمن متوقف ومن محقق ثبت عنده وجود هذه الأشياء بالأدلة ثم يعقب بأنه لهذا السبب لا يرى اشتغال الناس ( ويعني بهم الدهماء والعوام وإلا هو مشتغل ) بهذه العلوم إلا نخبة النخبة ! لأن من ليس كذلك يقوده الاشتغال بهذا إلى الضلال أو فساد الرأي أقول : هذا كلام مناسب حول الجدل في موضوع تدريس الفلسفة خصوصا وأنه صادر من كبار الفلاسفة ويقال أيضا : أن كثيرا من الناس يخلطون بين مطلق الاستدلال العقلي وما اصطلح على تسميته بالفلسفة والواقع أن الاستدلال العقلي المبني على المباديء العقلية لا تخلو منه أمة بل لا يخلو منه إنسان سواء كان فيلسوفا أو لم يكن وحتى مطلق الحكمة ليس من خصائص الفلاسفة فكم من حكيم هذبته الأيام والتجارب ونجد في الشعر الجاهلي وغير الجاهلي أبياتا جليلة في الحكمة وقد اتفق الناس على أن أصحابها لا يسمون فلاسفة والنَّاس قبل من يسمون بالفلاسفة مارسوا كل الممارسات الحضارية من الخطابة والجدل وضبط العلوم حتى كتب من كتب في الأصول المصرية للحضارة اليونانية ( وعامة الفلاسفة من اليونان ) وإنما الفلسفة الصياغة اليونانية لهذه المباديء العقلية مع استخراج قواعد كلية منها ثم تطبيقات والقواعد والتطبيقات منها الحق ومنها الباطل ومنها ما يشتبه حقه بباطله وبهذا الاعتبار يمكنك أن تقول أن ما من أمة إلا ولها فلسفتها وأمة الإسلام استغنت بالوحي فتطبيقات المباديء العقلية السليمة والقواعد الكلية موجودة في الوحي والطريف أن عامة من يصفق للفلسفة لا يدري أن أعدى أعدائها الْيَوْم هم الماديون العلميون لأن يحصرون الدليل في البحث التجريبي وأما البحث العقلي المجرد فعندهم لاطائل تحته لهذا هاوكنج يقول : العلم دفن الفلسفة . والعلمويون ما ارتكابهم المغالطة الفجة ( لأنهم أصلا ينطلقون من مقدمات ميتافيزيقية لا يمكن البرهنة عليها تجريبيا ) إلا أن من التناقض أن تصفق لهم وتصفق للفلسفة أيضا وهم يسفهون ودراسة فلسفة اليونان على أنها حالة فكرية مؤثرة في التراث الإسلامي عند عدد من الفرق وفِي التراث المسيحي في دوائر المتخصصين في الجدل الديني شيء وتدريسها للناشئة على أنها باب من أبواب المعرفة السليمة في زمن تكون الوعي شيء آخر وهو جد خطير ولو قلنا لندرس الشباب الخلافيات بين أهل الحديث والمعتزلة والأشاعرة والماتردية لانتفض لذلك كثيرون واتهمونا بإحياء خلافيات تاريخية لا فائدة منها ( مع أنه لا زال لهذه الفرق ممثلون والخلافيات بينهم تشمل قضايا عميقة وحاضرة مثل الخلافيات بينهم في فهم القدر وفِي مسألة الإمامة والفاسق الملي ) ولكن أن ندرس الخلافيات بين سقراط الذين مات قبل ميلاد المسيح والسوفسطائيين في اجترار سخيف لتراث الآخرين بحجة دراسة الفلسفة فلا مشكلة فتأمل المفارقة ( وإن لك تدرس هذه الأمور فما درست فلسفة وكان المنهج باردا باهتا لا يفيد كبير شيء حتى في فهم الفلسفة اليونانية كما هو الشأن في كثير من مناهج الفلسفة في العالم العربي فقط توضع لحل عقدة النقص التي لا تحل عند هؤلاء البتة ) وسيكون الأمر جد بائس اذا سرنا في الحديث عن تدرجات الفلسفة وفقا لتاريخ أوروبا ونهضتها فيبدأ الأمر مع سقراط وينتهي عند ديكارت نيتشة وكانط وهيوم ونظرائهم