كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لماذا لا يعاملون المشايخ بهذا الشكل؟ (أهواء العوام التي تحكم الساحة العلمية).

المصدر
لماذا لا يعاملون المشايخ بهذا الشكل؟ (أهواء العوام التي تحكم الساحة العلمية). رأيت عدة منشورات لطلبة علم تتناول ظاهرة تأثر الناس بالمسلسلات، وكيف أن الناس عاطفيون، فقد سبوا ممثلاً لأنه صور مع يهودي ثم تناسوا الأمر تماماً وتابعوا أعماله وجعلوها على رأس قوائم المشاهدات، وهناك من يحلل الرسائل الخفية والجلية ويكاد يكون هذا سلوكاً سائداً عند طلبة العلم في هذا العصر، غير أنني بعد هذه المنشورات نظرت للأمر من زاوية أخرى. العوام الذين يسبون شخصاً لأمور أخلاقية وعقدية ثم يقيمون أعماله الفنية بعيداً عن ذلك، لماذا لا يفعلون هذا مع مشايخ لا تعجبهم مواقف لهم سياسية أو أخلاقية؟ فالجواب: سرعة التدنيس ضريبة التقديس. الكثير من العامة ينظرون للتدين على أنه حالة مثالية (وهذه فكرة نصرانية وهي التي نفرت من موضوع الحكم الديني لبعده عن الواقعية) وبالتالي قرار التدين يعني أنك قررت أن تصير مثالياً، وإذا نجحت في هذا فإنك ستنال تقديس العامة، ولكن هذا التقديس له ضريبته إن لم تكن كما يريدون، وكثير من العوام بإمكانه أن يوجد على أي شخصية شرعية عيباً لكي يبرر لنفسه عدم الاستماع لوعظه، وهذا سبب الاسترواح لمظهر الدعاة الذين لا يظهر عليهم التنسك أو من يتكلمون بالفكر والقضايا الفكرية ويبتعدون عن النمط التقليدي، وكثير منهم يتكلف هروباً من آثار هذه الفكرة البائسة. في الإسلام لا يوجد شريعة نزلت على رهبان تطالبهم بأمور دون غيرهم في الأعم الأغلب، بل لكل عبوديته ومع ازدياد النعمة عليه يزداد التكليف، فكثير العلم يجب عليه إفشاؤه كما يجب على كثير المال حق في الزكاة. اختصاراً هي مجرد مخادعة، فالقوم يستمعون للممثلين أكثر من أي شخص آخر، سواءً كان داعية أو تجريبياً، وكثير منهم يحسن الفرز فهو يفرق بين أخلاق الممثل وعمله، ويفرق بين جودة هذا الجزء وهذا الجزء، بل ويفرق بين جودة هذه الحلقة وهذه الحلقة، وبين جودة هذا الممثل في الدور الفلاني وضعفه في الدور الفلاني، وهكذا يتعاملون مع لاعبي كرة القدم، يذكرونك بأئمة الجرح والتعديل (وقدر الأئمة محفوظ عن هؤلاء المساكين ولكن الأمر تشبيه من وجه) حيث كانوا يوثقون الراوي مطلقاً ويوثقونه في حديثه عن شيخ معين ويضعفونه في آخر، ويوثقونه في حديثه عن أهل بلد معين ويضعفونه في حديثه عن آخر، وربما وثقوه ولكنهم حكموا بغلطه في خبر معين. غير أننا في الساحة الشرعية تفريعاً على فكرة (التقديس) مثل هذه التقسيمات تقابل بتشنج شديد ومفهوم (الطعن) و (الإسقاط) أخَذا طوراً وسواسياً، كما أن الموسوس يظن فيما ليس ناقضاً للإسلام أو الصلاة أنه ناقض، ويدخل في ذلك أشياءاً كثيرة كذلك صار الأمر في مفهوم (الطعن) و (الإسقاط). وصارت ظاهرة (تقديس المشايخ) أمراً لا تخطئه العين، والساحة بنفسها تدعم ذلك تارة باسم (الأدب) وتارة باسم (كيد العذال من المخالفين) وصار ذلك جزءاً من شخصية طالب العلم، حتى أنك لو فكرت بنقد ظاهرة تقديس المشايخ أو تقديس القدوات فإنك ستجد نفسك صرت مقدساً عند الشباب ناقدي تقديس المشايخ! وهذه هي التهمة التي ستوجه لك مبدئياً أنك تريد أن تحل محل غيرك إذا نقدت هذه الظواهر، وهذا يذكرني بحال رجل شيعي ولا يرى الخمس في عصر الغيبة فأقنع شيعياً آخر بالأمر وأن الخمس ساقط عنهم فذاك الثاني اقتنع ثم قال بعدها: والآن أين أذهب بخمسي؟ هذا لأنه تغذى بأن خمس ماله ليس له حتى لو أقنعته أنه له سيفهم كلامك وكأنك تقول له غير مصرفه فقط، كذلك المتشبع بفكرة التقديس سيسمع كلامك وكأنك تقول: قدسني أنا أو تقول: دنس المشايخ بدلاً من أن تقدسهم، علماً أنهم ليسوا شيئاً واحداً فهناك من يستحق الزجر والتثريب بل والإسقاط أيضاً. =