حماية الأطفال من الأفكار المثالية
حماية الأطفال من الأفكار المثالية
أتابع سجالاً بين بعض المشايخ الفضلاء وكهول ليبراليين حول تعليم الأطفال آيات القرآن الكريم، أفهم تماماً سبب خوف الليبرالي الكهل من تعلم الأطفال القرآن، فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر كما قال الحسن البصري، غير أنني أردت أن أفكر في الأمر من منظور أعمق.
قصار السور التي يحفظها الصغار في العادة تكون عن أصول الإيمان، ولغتها قوية، فيها كلام عن عذاب مكذبي الرسل في الدنيا والآخرة، وثواب المؤمنين بهم.
فيقرأ {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون}.
ويقرأ {إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة}.
ويقرأ {إذا زلزلت الأرض زلزالها}.
فهل لله حكمة في ذلك؟
يبدو والله أعلم أن من النافع جداً أن يتلقن الأطفال ذلك في سن صغير، وذلك أن الأطفال يسهل تشربهم للأفكار الحالمة والمثالية التي تصور أن الصراع بين الخير والشر له نهاية في هذه الدنيا.
أو أن المرء يمكن أن يحصل على كل شيء دون أن يبذل شيئاً، أو دون أن يترتب على ذلك أضرار تجعل قولنا (كل شيء) لا معنى له.
قد يرى بعض الناس أن تفكير الأطفال بمثل هذه الأمور جزءاً من سذاجة الطفولة وبرائتها، غير أنك تجد اليوم أفكاراً مثالية كثيرة مثل: الحقوقية بأصنافها والليبرالية والنسوية، عامتها شرط التأثر بها فقدان الواقعية.
فقدان الواقعية هو الركن الأساسي لما يسمى بـ(الإلحاد العاطفي).
معرفة الإنسان عن الجنة والنار وأسس الإيمان ككل لا تنغص عليه أصل المتعة ولكن ستضبط له الأمر.
غير أن الإيمان بجنة أرضية وفقدان للواقعية سيجعله لا يرى النعم صغيراً كان أو كبيراً.
الهشاشة النفسية التي تخيم على المشهد أحد أهم أسبابها الأفكار المثالية التي تحولت من مجرد أماني طفل لا يفهم العالم لأيديلوجيات، لا يعي المرء أنها الطريق لاستغلاله عن طريق بيع الوهم عليه.
تأمل الأفكار السائدة عند كثير من الشباب، مثل التضايق من الحدود، أو جهاد الطلب، أو الشدة على المخالف العقدي، أو أحكام أهل الذمة وغيرها، أو التأثر بالأفكار النسوية، ستجد أنك أمام فقدان للواقعية، وحالة حالمة محلقة تعيق أصحاب الحق، ولا تساهم بزوال الباطل، لهذا يغرق عادة أصحاب هذه الأفكار في دور الضحية ويأنسون به.
الأطفال يأكلون الحلوى، ولكن الإفراط في أكلها دون جرعات من الطعام الصحي والحركة قد يؤدي بالطفل إلى أمراض تتعبه حتى بعد البلوغ.
هكذا هي الأفكار المثالية المحلقة التي يريدون للأطفال أن يغرقوا فيها بإبعادهم عن الوحي.
قال ابن أبي شيبة في المصنف "3518- حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان علي بن الحسين يعلم ولده يقول قل آمنت بالله وكفرت بالطاغوت".
هذا الخطاب المفاصلي الذي كان يعلم للأطفال هو جرعة واقعية مهمة في زماننا الذي فشت فيه أطروحات الذوبان العقدي، وتكافؤ الأدلة، وما بعد الحداثة.
نعم لا بد من ضبط حتى لا نقع في فخ الغلو، غير أن الغالب على الناس اليوم افتتانهم بهذه الأحلام على درجات متفاوتة في ذلك، والحساسية من الغلو غالية، غير أن الحساسية من الجفاء ضعيفة.
حين تجبر ابنك على الدراسة النظامية، والاستيقاظ صباحاً، وعلى أخذ التطعيمات، وعلى شرب الدواء المر، وتحرمه من الألعاب التي تراها ضارة، أنت في كل ذلك تمارس ضبطاً أبوياً ترى أنك تحقق فيه المصلحة.
تعليمه الوحي أهون على عامة الأطفال من كل هذا، وعامتهم تنشرح صدورهم لكلام الله، ودائماً تجد الطفل يتعلق ببعض السور تعلقاً يثير تعجبك، لن يدرك عمق الوحي كما يدركه البالغ المتفكر، ولكن تبذر فيه بذرة خير تحميه من البلاء المنتشر.
وما ورد عن بعض السلف في كراهية تعليم الطفل القرآن حتى يعقل يقصدون به ما كان دون سبع سنين، فهذا غالباً لا يعي شيئاً، ولأنه عند سبع سنين يؤمر بالصلاة.