كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وكأن الإمام البخاري أدركهم وأراد الرد عليهم...

المصدر
وكأن الإمام البخاري أدركهم وأراد الرد عليهم... قال البخاري في صحيحه في آخر كتاب الجنائز: "باب ذكر شرار الموتى". ثم أورد قول ابن عباس -رضي الله عنهما- : "قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي ﷺ: تبا لك سائر اليوم فنزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب}". وجه الحجة التي أرادها البخاري أن ابن عباس لمَّا ذكر أبا لهب وهو من شرار الخلق لعَنَه مع أنه عمه؛ لبيان جواز ذلك. وفي هذا رد على تناكد بعض الصوفية -مثل علي جمعة- الذين يزعمون أن عمر كره تعمُّد قراءة سورة المسد في الصلاة، وكذلك سورة عبس. وهذا كذب على عمر -رضي الله عنه- وسوء أدب مع القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، فإن قراءة قصار المفصل وأواسطه من سنته ﷺ في صلاة الفريضة في المغرب والعشاء (وعادتهم الاستدلال بالعمومات لتبرير البدع، وهذا عموم أصح من كل عموماتهم). يقول البوطي في كتابه «هذا والدي» ما نصه: "وقد كنت أقرأ سورة (تبت يدا أبي لهب) في بعض الأحيان, فقرأت في بعض الكتب رواية عن بعض الصالحين, أنه كان يكثر من قراءة هذه السورة, فرأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرؤيا, وفي وجهه علائم التأثّر والعتاب, وقال له أليس هو عمي؟". وهذه الدعوى من والد البوطي كمثل المذكور عن علي جمعة، ومن عجيب أمرهم أنهم إذا نُهوا عن الذِّكر المحدث الذي اخترعوه مع الدف والزمر والرقص قالوا: هؤلاء ينهوننا عن ذكر الله باسم حرب البدعة. ثم هم ينهون عن قراءة كلام الله -عز وجل- الذي أجمعت الأمة على قراءته، بحجة الأدب المزعوم. وهذا دأبهم، يسيئون الأدب مع القرآن والسنة بحجة الأدب مع الأشخاص، كصنيعهم في مسألة أبوي النبي ﷺ وغيرها. وتأمل كيف وُفِّق الإمام البخاري إلى إيراد مثل هذا، وهو من أبلغ الرد عليهم، فهؤلاء الذين يكرهون قراءة القرآن ما عساهم يصنعون لو سمعوا من يلعن أبا لهب لمَّا ذَكَره في ثنايا الكلام. وهذا يُبيِّن لك عظيم قدر الولاء والبراء على العقيدة، وهذا عنوان قد كثر فيه التقصير، والناس متفاوتون في تقصيرهم في هذا الباب.