=
=
وخذ هذا المثال في موضوع مدح يحيى بن سعيد القطان لأبي حنيفة، بل زعم بعض الناس أنه حنفي المذهب.
كنت قد قلت: «قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (7/ 597): "وكان في الفروع على مذهب أبي حنيفة -فيما بلغنا- إذا لم يجد النص".
الرواية التي اعتمدها الذهبي قد وقع في متنها تصرف.
قال الدوري في تاريخه عن ابن معين 2530: "سمعت يحيى يقول قال يحيى بن سعيد الْقطان لا نكذب الله ربما رأينا الشيء من رأى أبي حنيفة فاستحسناه فقلنا به".
فقوله (ربما) يدل على قلة ذلك الأمر، وهذا لا يدل على تمذهب بل يدل على عكسه.
ويحيى بن معين صح عنه تجهيم أبي حنيفة.
قال العقيلي في الضعفاء (8/491): "حدثناه محمد بن عيسى قال: حدثنا صالح قال: حدثنا علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مر بي أبو حنيفة وأنا في سوق الكوفة، فقال لي: قيس القياس ( وفي طبعة تيس القياس ) هذا أبو حنيفة، فلم أسأله عن شيء، قال يحيى: وكان جاري بالكوفة فما قربته ولا سألته عن شيء. قيل ليحيى: كيف كان حديثه؟ قال: لم يكن بصاحب الحديث.
وهذا إسناد صحيح كله أئمة فكيف يصح بعد هذا
هذه النفرة من أبي حنيفة أن يقال أنه حنفي!".
والآن بعد ثمان سنوات يُعاد الإشكال نفسه دون الالتفات إلى ما كتبت، وكأنَّ البحث لا يتقدم نهائيًّا، وكثير من الناس لا يريد أن يجدد معلوماته ولا أن يقرأ للطرف الذي يتعقَّبه، بل حتى بعض المسائل التي بسببها يتحامل بعض الناس عليَّ ولكن لا يُظهرون الحديث فيها، بلغني أنهم ينسبون لي أمورًا ما قلتها قط، بل بعضها أقول عكسه تمامًا، ولكنَّ الأمر قلة تثبُّت وصورة مقولبة.
وعندي فائدة جديدة في أمر القطان: قال البخاري في الضعفاء: "436- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي: سمع الشيباني: تركه يحيى -هو القطان- وعبد الرحمن، ووكيع وغيرهم".
فعلق الشيخ أحمد أبو العينين على هذه الترجمة بقوله: "والظاهر أن البخاري رحمه الله وغيره تكلموا فيه لأجل الرأي لا لضعفه، ويوضح ذلك قول أبي حاتم: صدوق، ولكن من أصحاب أبي حنيفة، لا ينبغي أن يروي عنه شيء".
فهنا المحقق أحمد أبو العينين يستظهر أن سبب ترك القطان وابن مهدي لأبي يوسف ليس لكونه ضعيفًا ولكن لأنه من أصحاب أبي حنيفة، وكان المحدثون نافرين منهم، وهذا تحليل جيد، ولا أظن أن الشيخ أحمد يقول بجرح أهل الرأي، ولكنَّ التحقيق العلمي يقتضي حمل تصرفات الأئمة على منهجهم هم لا على هوانا وما نحب ونريد.