كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عبارة كاشفة وملخِّصة للخلاف: "لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخ

المصدر
عبارة كاشفة وملخِّصة للخلاف: "لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق". هذه إفادة متممة لصوتية [هل كان أئمة السلف غلاة؟]. جاء في الاعتقاد القادري: "ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّم به تكليمًا، وأنزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلا جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقًا؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق بكل حال، متلوًّا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا، ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر". هذه عبارة من يفهم الخلاف، فقوله "لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق" يُلخِّص لك الخلاف بين الإمام أحمد من جهة ومن خالفه مثل اللفظية وابن كلاب من جهة أخرى، وهذه النقطة أدلتها في النصوص قطعية. كل من قال إن القرآن الذي في الأرض مخلوق أو نفى الحرف والصوت فهو إما غفل عن هذه الحقيقة، أن القرآن الذي في الأرض تكلم به الله بعينه والكلام يرجع لأصله {حتى يسمع كلام الله}، وهذا إشكال اللفظية.. وإما أن يكون قال بخلق القرآن الذي في الأرض لأنه لا يريد أن يقول بأن الله تكلم بالقرآن الذي في الأرض بعينه لأن القرآن الذي في الأرض له بداية ونهاية، وإذا أثبت أن الله تكلم به فقد أثبت الصفات الفعلية الاختيارية التي يسميها أهل الكلام حلول حوادث، وهم يهربون من ذلك ظنًّا منهم أن ما حلت به الحوادث فهو حادث، ولم يفرقوا بين ما حلت به الحوادث وكان لجنسها بداية وما حلت به الحوادث ولم يكن لجنسها بداية ولا نهاية (وهذا إشكال الكلابية). ولهذا كان المعتزلي إذا ناقش الأشعري فإنه يستدل عليه بنصوص أهل السنة في أن القرآن الذي في الأرض كلام الله ويعلم أن الأشعري الكلابي يُسلِّم له بأن ما له بداية لا بد أن يكون مخلوقًا لأن الفريقين يثبتون لله مفعولات مخلوقة ولا يثبتون له أفعالًا اختيارية كما دلت عليه النصوص. والخلاف بينهم لفظي، فكلهم قائل بخلق القرآن الذي بين أيدينا. وعليه قد يقول قائل لفظة "محدث" ويريد أنه وجد في الأرض أو خرج من كائن مخلوق دون العرش لكي لا يقول إن هذا القرآن الذي بين أيدينا تكلم به الله بعينه، وهذا قول داود الذي أنكره أحمد. وقد يقول في كلام الله "حادث الآحاد" ليقول أن القرآن الذي بين أيدينا تكلم به الله عز وجل ومنه بدأ أو خرج وأن له بداية ونهاية كما نراه أمامنا. فالقولان وإن اشتبه فيهما اللفظ بعض الاشتباه إلا أنهما النقيضان. وكذلك من يقول إن كلام الله قديم فقد يريد المعنى الكلامي أن كلام الله لا بداية له ولا نهاية، وهذا قول الكلابية الأشعرية وهو يلتقي مع معنى محدث الأول، فيقولون إن كلام الله حقيقة قديم غير مخلوق والقرآن الذي بين أيدينا محدث مخلوق. وهناك من يقول قديم ويريد غير مخلوق. قال ابن قدامة في البرهان في بيان القرآن: "مذهب أهل السنة والجماعة، والذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه التابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من أمة الإسلام: أن القرآن كلام الله القديم" ثم قال: "وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربع عشرة سورة، أولها الفاتحة، وآخرها المعوذتان، مكتوب في المصاحف، متلو في المحاريب، مسموع بالآذان، متلو بالألسن له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض". تأمل تنصيصه على وجود بداية ونهاية للقرآن مع قوله "قديم" وهذا عند الناس تناقض، غير أن مصطلحه مختلف، وقد نقل السجزي الاتفاق أن للقرآن الذي تكلم به الله بداية ونهاية وحكى اتفاق الفقهاء على كفر من أنكر ذلك وسمى ابن كلاب، وتجد في الاعتقاد القادري تصريحًا بتكفير من ينكر أن لله في الأرض كلامًا. قال ابن تيمية في الرد على الشاذلي: "وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم بل إذا استفسرته عنه قال يريد به أنه غير مخلوق ويقولون يريد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولا ريب أن كلام الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة ولا ريب أن القرآن كله كلام الله ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا غيره والقرآن العربي كلام الله والله نادى موسى بصوت وينادي عبادَه يوم القيامة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم العين وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقُدْرته ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين".