قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضر
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي الإمام المجود، مقرئ البصرة أحد العشرة (10/ 169).
كان يقرئ الناس علانية بحرفة بالبصرة في أيام ابن عيينة وابن المبارك ويحيى القطان، وابن مهدي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويحيى اليزيدي، وسليم، والشافعي، ويزيد بن هارون وعدد كثير من أئمة الدين، فما بلغنا بعد الفحص والتنقيب أن أحدًا من القراء ولا الفقهاء ولا الصلحاء ولا النحاة ولا الخلفاء كالرشيد والأمين والمأمون أنكروا قراءته، ولا منعوه منها أصلاً ولو أنكر أحدُ عليه لنقل ولاشتهر، بل مدحها غير واحد، وأقرأ بها أصحابه بالعراق، واستمر إمام جامع البصرة بقراءتها في المحراب سنين متطاولة فما أنكر عليه مسلم، بل تلقاها الناس بالقبول، ولقد عومل حمزة مع جلالته بالإنكار عليه في قراءته من جماعة من الكبار، ولم يجر مثل ذلك للحضرمي أبدًا حتى نشأ طائفة متأخرون لم يألفوها، ولا عرفوها، فانكروها ومن جهل شيئًا عاداه، قالوا: لم تتصل بنا متواترة قلنا: اتصلت بخلق كثير متواترة، وليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة، فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القراء وعند المحدثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء، أو أفادتهم ظنًا فقط، وعند النحاة مسائل قطعية، وكذلك اللغويون، وليس من جهل علمًا حجة على من علمه وأنما يقال للجاهل: تعلم، وسل أهل العلم إن كنت لا تعلم، لا يقال للعالم: اجهل ما تعلم، رزقنا الله وإياكم الإنصاف.
ثم قال في آخر كلامه : أما القرآن العظيم سوره وآياته فمتواتر ولله الحمد، محفوظ من الله تعالى، لا يستطيع أحد أن يُبدله ولا يزيد فيه آية ولا جملة مستقلة ولو فعل ذلك أحدُ عمدًا لانسلخ من الدين قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. وأول من ادعى أن حرف يعقوب من الشاذ أبو عمرو الداني، وخالفه في ذلك أئمة، وصار في الجملة في المسألة خلاف حادث والله أعلم.
أقول : في كلامه ملحظ دقيق في اعتبار التواتر فالقطع والتواتر لا يستفاد من العدد فحسب بل يستفاد أيضا من كوّن الرجل صاحب الرواية جهر بها على رؤوس الأشهاد من النقاد والنظراء والأقران فما أنكر أحد عليه مع إنكارهم على نظيره مما يدل على أن فيهم من سمع ما سمعه وأقره والبقية ليس عندهم ما يعارض مع قيام الدواعي لنقل المعارض
والقراءة شيء ونفس القرآن شيء أعم فالقراءة طريقة أداء للمصحف المتواتر الذي بين أيدينا لهذا لو لم تتواتر أي قراءة فالقرآن متواتر لأنها تتفق على أصله وله طرق كثيرة في التفسيرة والرواية وطرق إثبات تواتره وقطعيته لا تدخل في الحصر
وهذا المعنى الذي ذكره الذهبي في تثبيت قراءة يعقوب ينبغي أن يستخدم في الأحاديث المشهورة التي اتفق الفقهاء على الافتاء بها والقضاء والحكام على الحكم بها مثل أحاديث الرجم والرِّدة مع كونها اختلفوا في أخبار أخرى رويت وتنازعوا فيها فكيف اذا كان يتعلق بها عمل مشهود من عامة الناس
ونحوا من هذا المعنى المذكور هنا تجد في كلام
محمد بن الجزري الدمشقي في "منجد المقرئين" (ص62) نقلا عن أحد مشايخه:
"إن القراءات كالحديث، مخرجها كمخرجه. إذا كان مدارها على واحد، كانت أحادية. وخفي عليه (يعني الذي يظن تلك الأسانيد الأحادية تدل على عدم تواتر القراءة) أنها نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحاً. وإلا فكل أهل بلده كانوا يقرؤونها. أخذوها أمماً عن أمم. ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده، لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها، ويأمرون باجتنابها"