كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إذا طردتها نقضتها!

المصدر
إذا طردتها نقضتها! يروى عن عمر بن الخطاب أنه لما أراد قطع يد سارق قال السارق : إنما سرقت بقدر الله فرد عليه عمر : ونحن نقطعها بقدر الله .( ولا أعرف للأثر أصلا ) هنا عمر رضي الله عنه طرد حجة السارق فانتقضت فهناك مجموعة من الحجج إذا طردت انتقضت لأنه لا يمكن لطارحها أن يقبل هذا الطرد وأصح من ذلك قول عمر : نَفَر من قدر الله إلى قدر الله . فمثلا احتجاج بعض الناس بالقدر على المعاصي مثل قول هذا السارق لا يمكن أن يقبل هذه الحجة إن كان هو المسروق أو المعتدى عليه وكذلك كوّن بعضهم يذنب ويقول : الله غفور رحيم فإنه لا يمكن أن يجلس بلا عمل بحجة أن الله رزاق كريم فكما فهم في الثانية أن مشاهدة آثار أسماء الله الحسنى تعني العمل لا القعود فكذلك في مشاهدة الأولى ينبغي الاستغفار وتحديث النفس بالتوبة وبذل الأسباب في ذلك وهذا أيضا في حجج بعض الملاحدة والعالمانيين مثل قولهم أن الشذوذ جيني ثم هُم لا يقبلون كل السلوكيات الجنسية مثل حب التعدد وما يسمونه بيدوفيليا مع أنها كلها ينبغي أن تكون جينية أيضا بل من يفهم الداروينية يعلم أن كل سلوكياتنا جينية لا فرق بين الشذوذ وغيره فنحن مجرد مادة والمادة محكومة بقوانين تسيرها لذا اسقاط اللوم عن سلوك احتجاجا بالجينات ينبغي معه إسقاط اللوم عن كل الجينات لهذا تجدهم يفسرون عامة السلوكيات في علم النفس التطوري بإرجاع ذلك للجينات ونظير هذه الحجج قولهم ( فلان ليس معصوما ) وهذه الحجة لها استخدامان متضادان وإن كان منشأ الغلط فيهما واحدا الاستخدام الأول في باب الحط على هذا الشخص فيقال : فلان ليس معصوما ثم ربما نسبه لعظائم وكثيرا ما يستخدم هذه الحجة غلمان الحداثة فينزلون قول العالم المتخصص المقرون بالحجج أو حتى إجماع الأمة منزلة قول عالم يستدل بقوله مجردا في مسألة نزاع مشهور فهنا فقط يصح أن يقال : فلان ليس معصوما أو ليس نبيا . وأما تنقض الإجماعات وتحدث في الدين بحجة أن العلماء ليسوا معصومين فنحن نطرد حجتك ونقول : وأنت لست معصوما أيضا وفهمك ليس معصوما فلا بد أن تقدم أدلة علمية معتبرة وتذكر سلفك فكثير منهم يستدل بذوقه المجردة وربما سماه ( عقلا ) أو ( فطرة ) ثم يقول لك لا تحتكر الحقيقة وهو يحتكر العقل والفطرة في ذوقه وهذا حال غالب من نراهم من ملاحدة صرحاء وعالمانيين ونسويات وعموم الحداثيين وأما الاستخدام الثاني فهو أكثر انتشارا بين المتشرعين وهو أن يقول في معرض الذب عن إنسان أخطأ ( هو ليس معصوما ) ثم يشنع على من يشنع عليه مع أن المشنع أيضا بشر وليس معصوما وخطؤه محل اجتهاد ومنشأ الخطأ في هذا الإطلاق أن فيه التسوية بين المتفرقات كالمثال الأول ثم عدم التزام الطرد فخطأ الناس متفاوت منه الشرك والكفر ومنه البدعة الغليظة ومنه البدعة اليسيرة ومنه الخطأ الاجتهادي ومنه الوهم المحض ومنه ما له حظ من النظر بل ربما وقع اثنان في الخطأ نفسه واستحق أحدهما اعتذارا أكثر من الآخر لقرائن اقترنت بحاله مثل كوننا نقطع بعدم وقوفه على أدلة الخصم أو كونه نشأ في بادية بعيدة أو كان في مكان العلم بهذه المسألة فيه بعيد وربما وقع الاثنان في الخطأ نفسه واستحق أحدهما من التغليظ أكثر من الثاني لكونه الرأس في هذه الضلالة أو داعية فيها أو له من العلم ما يدل على بعده عن الجهل الذي مثله يعذر به أو يكون صدر من الكذب الصراخ على الخصوم ما يوحي بسوء الطوية إلى ذلك من المعاني وعدم ملاحظة هذا المعنى أورث الناس إفراطا وتفريطا طال الجدل البيزنطي بين أهلهما وكل هذه أنواع يشترك أهلها ( بعدم العصمة ) وحتى العامي يعقل تفاوت الناس في الذنوب مع أن الواقعين فيها جميعا ليسوا معصومين التفاوت بحسب نفس الذنب كالفرق بين القتل والزنا مثلا والفرق بين ما يقترن بها مثل الفرق بين المجاهر وغير المجاهر ويذكر في بعض أن لصا تاب من اللصوصية بسبب أنه رأى بغيا قبضوا عليها فقالت وهم يعاقبونها : والله ما سرقت حتى تفعلوا بي هذا فقال : ذنب يتنزه عنه حتى البغايا لا أبقى عليه أبدًا . وهذا الاستخدام لعبارة ( ليس معصوما ) بهذا الاطلاق يخشى ان يفعل بالناس نظير الاحتجاج بالقدر ودين الله وسط والنَّاس إذا سقطت هيبة القضية الدينية من قلوبهم صاروا يوالون ويعادون على قضايا دنيوية مصلحية فقط واقتربوا من البهيمية وكل شيء الْيَوْم حولنا يدعو إلى ذلك وينبغي على المتشرعين أن يلاحظوا هذا المعنى ولا يشركوا أهل الحداثة بِمَا هو من جنس إطلاقاتهم المضللة