كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كفار قريش ادعوا أنهم ينزهون الله عز وجل عن أن يرسل بشراً رسولاً

المصدر
كفار قريش ادعوا أنهم ينزهون الله عز وجل عن أن يرسل بشراً رسولاً قال تعالى : ( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (94) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً) فما قبلت منهم دعوى التنزيه هذه بل بين لهم أنهم ينفون أثراً من أعظم آثار رحمة الله عز وجل وهي النبوة وهم أيضاً نافون للحكمة من الخلق من قولهم لا بعث ثم يدعون أن الله عز وجل أعظم من أن يرسل بشراً ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)) ومن حجة المشركين قديماً وحديثاً أن الله عز وجل أعظم من أن يدعوه خاطئون مثلنا مباشرة بل لا بد من وسائط بيننا وبينه ندعوهم وهم يقربوننا إلى الله عز وجل ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) قال الماتردي في تفسيره : يطلبون بذلك تقربهم إلى اللَّه زلفى؛ كقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا الفرج عن ذلك - فزعوا إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، كقوله - تعالى -: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ) الآية، وأمّا المؤمنون: فهمم في جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أقول : ولا يدرون أنهم بذلك نفوا عن الله عز وجل قربه ورحمته وأنه أرحم بهم من خلقه وسعه علمه إذ يعلم من ضرهم وشكواهم ما لا يعلمه غيره ونظير هذا وذاك دعوى التنزيه في نفي ما أثبته الله لنفسه بدعوى أنه تشبيه فنسبوا الخالق بأنه وصف نفسه بما ظاهره السوء والتشبيه وجعلوا عباد الله الموحدين الذين أثبتوا ما أثبت الله عز وجل لنفسه دون تشبيه مخالفين للتنزيه فمع كونهم اخترعوا مفهوماً للتنزيه لا يسلم لهم طعنوا في رحمة الله وحكمته وجعلوا الهدى ليس في كلامه وكلام رسوله وإنما في كلام أكابرهم في أعظم بحث يبحثه البشر أسماء الله وصفاته وإن من التناقض أن تدفع دعوى المشركين أنهم ينزهون وتقبل دعوى أهل التعطيل وهم أنفسهم متناقضون فلا يقبلون تنزيه الذين ينفون الصفات التي يثبتونها مثل السمع والبصر مع أنها يمكن أن يقال عنها بحسب مصطلحاتهم التلبيسية ( صفات حوادث ) ( مع أن رب العالمين متصف بها على وجه يليق بجلاله قبل خلق الخلق عند الجميع فنسبتها للحوادث على أنها من خصائصهم مغالطة ومصادرة على المطلوب وهي في المخلوق عند الجميع يعتريها النقض وفي الخالق كمال مطلق )