=
=
ومن أخطر الأمور على جيل الشباب تعزيز فكرة (الضحية) فيهم، فإن كثيراً منهم يجد في هذه الفكرة باباً للتصالح مع نفسه بعد نفرة طويلة منها، بسبب لومه لنفسه أنه لم يحقق كبير شيء أو لم يحقق الحلم الرأسمالي الكبير أو النجاح -بمفهومه المنتشر في مواقع التواصل.
فكرة الضحية قد تتحول إلى إدمان من نوع آخر، لئلا يواجه المرء نفسه.
ولذلك الميل للتخنث الذي يسمونه مثلية هو هروب من دور (المسؤولية) إلى دور (الضحية).
الوعظ في كثير من الأحيان يعالج الفكرة من جذورها، قد يعطي المرء حافزاً للإنجاز وتحقيق رضا الله عز وجل ويذكّر بالغاية من الخلق.
والشعور بالذنب ليس خللاً إلا عند البهائميين الذين لا يرجون حساباً، ففي الشرع يوجد رغبة ورهبة، ورحمة الله سبقت غضبه، والله يغفر للعبد ما تاب واستغفر، كل ذلك يزرع أملاً وقوة، كيف يمكن أن ينكر أثره؟
جاء في كتاب «الأوراق» في أخبار الشعراء للصولي: "أمر أبي القاسم يوسف بن القاسم قال أبو بكر: حدّثني عون بن محمد الكندي، قال: حدّثني أحمد ابن يوسف عن أبيه، قال: لما قدم أبي بغداد قصده إخوانه [ودعوه] فلزم الشراب معهم والسماع، فقالت له أمه: يا بني قد ترى كثرتنا وما يلزمك من نفقتنا، وان أدمت الشراب أضعتنا وأفقرتنا مع شينه لك في دنياك، وتزويده لك الوزر إلى أخراك. فقال: حسبك! والله لا ولج لي رأسا أبدا، فما شرب حتى مات".
هذه الحادثة فيها مثال على اجتماع الوعظ بالشفقة وأثر ذلك على النفوس، وقصة أبي محجن في توبته من شرب الخمر بعد إدمانه لأجل إحسان سعد له مشهورة.
وبقي التنبيه على أن الفتيا التي ظهرت مؤخراً في أن من ترك الصلاة لأجل الاكتئاب لا يلزمه القضاء، فيها نظر وهي متفرعة عن هذه النظرة الجبرية، واعتبار المرض النفسي مُلغياً لحرية الإرادة دون ضابط واضح لذلك، وما زال الناس على مر الزمان تقع لهم الملمات ويفزعون للصلاة {واستعينوا بالصبر والصلاة}، ولكن النفساني الذي أوحي بالفكرة هو أوحى للمريض بأن الصلاة تكليف مجرد، كالدراسة، وليس اتصالاً بالذي خلقك سبحانه، بل يرى لك ضرورة أن تراجعه هو وتشكو له همك، ولا تفعل ذلك في صلاتك، هذه النظرة المشوهة للصلاة لا تختلف عن تلك النظرة المشوهة للوعظ.
وقد وصف الله عز وجل كتابه أنه شفاء لما في الصدور، ومن ذلك ذكر الجنة والنار ورضا الله وغضبه.