قال مالك بن نبي في كتابه من أجل التغيير متحدثا عن أحد أحفاد الأمير عبد القادر ال
قال مالك بن نبي في كتابه من أجل التغيير متحدثا عن أحد أحفاد الأمير عبد القادر الذين نشأوا في سوريا :" وقد أثار اهتماما شديدا، حتى في عيني تلك الطفلة الجميلة التي جلست بالقرب مني، ولكنها تهرب بضفائرها الصغيرة الشقراء إلى ذراعي أمها كلما مازحتها قائلا:
سوف آخذك معي إلى الجزائر.
أما أبوها الذي يتابع دراسة الطب في المدينة، فقد انهمك يلتقط العديد من الصور الفوتوغرافية لجمع شديد الاختلاف في أصوله، لكنه شديد التجانس في أفكاره وشعوره واهتماماته.
كنا إذن وعلى مستوى صغير مجتمعا واحدا، يقلب مشاكله، يقيس فيها هموم الخيبة أو حظوظ النجاح.
مجتمعا جزائريا شئت، أو عربيا، أو إسلاميا، أو إنسانيا. فالاهتمامات أخذت بالنسبة إلينا مداها في سائر أبعادها.
جو العيد يدفع بالذكريات، فتجيش بها الخواطر، ويشرد الذهن في أحداثها، وما تناءت به السنون.
ورب العائلة .. سليل الأمير الذي يرقد رفاته في مقبرة العالية في الجزائر، قد أخذ من ذلك بقسطه، فحدثنا بما اتفق له من الذكريات.
وقاده الحديث إلى ذلك العصر، الذي كان فيه عبد العزيز بن سعود قد بدأ إصلاحاته الأولى في مملكته.
وهكذا بدا له أن يؤدي فريضة الحج في تلك الحقبة، وهي الحقبة نفسها التي أدت فيها والدتي فريضتها.
لم يكن الأمر في ذلك الزمن قد بلغ الحد الذي بلغه اليوم؛ حيث يمكن أن يسحق امرؤ بكل معنى الكلمة، بزخم العديد الذي لا يحصى من الحجيج الذين يطوفون حول الكعبة، أو تتقطع أنفاسه بضغط تلك الآلة الضخمة من الكتل البشرية التي تتحرك في طوافها.
الأمر في ذلك الزمن كان مختلفا. والحاج في وسعه أن يتم أشواط الطواف براحة، ويتفحص خلالها الوجوه إذا أراد. كما يمكن له أن يتخذ منها معارف.
مضيفنا قد تعرف بالفعل على تلاثة أو أربعة من الصبيان، تنبئ شعورهم المجعدة وألوان بشرتهم، أنهم من إفريقية السوداء.
الأطفال أمسكوا بأيدي بعضهم بعضا، وهم يطوفون أشواطهم حول الكعبة.
وإذ رآهم المهندس الحاج، فقد مالت نفسه إليهم عطف أبوة، فكان كلما التقى بهم في الطواف، يوزع عليهم بعض الحلوى.
أما أبوهم الذي ربما أبصر صنيع المهندس الحاج بالأطفال، أو هم حدثوه بأمره، إذ هم إخوة، فقد أراد بدون شك، أن يعبر بطريقته عن شكر الرجل، الذي أضفى على أطفاله السرور.
وقال له:
- أريد أن أصبح أخاك.
وأجابه:
- نحن إخوة بالفعل لأننا مسلمون.
لم يشأ الحاج الإفريقي الاستماع، بل أردف مؤكدا فكرته:
- أريد أن نصبح أنت وأنا أخوين بصورة أخص.
قال له: - حسنا. قل لي ما ينبغي أن نفعل لنصبح كذلك، وسأفعل ما تمليه علي.
هنا .. أخرج الحاج الإفريقي من ثوب الإحرام صرة حوت رزمة من الريالات السعودية، وقال له:
- هذه دراهمي .. ضع دراهمك التي معك فوقها ونتقاسمها مناصفة ... المهندس محدثنا بقي لبرهة مشدوها ...
وقد أوضح لنا:
- ليس لأنني شككت ولو للحظة في مصداقيته وعفويته ..
ثم أطرق مضيفنا بعيون حالمة، كمن يستجمع شتات ذكرياته .. وتابع:
- ولكني خفت أن يشك هو نفسه بمصداقيتي. فأنا في ذلك اليوم بالذات، وكما هو شأني في كل مرة أطوف فيها، لم أحمل معي غير دراهم من الحجم الصغير من أجل الفقراء، ومن الممكن أن يظن بأني أخفي دراهمي حتى لا أتقاسمها معه.
لست أخفي على القارئ ... فقد بدأت القصة تأخذ من نفسي إثارتها، وهكذا تعلقت عيناي بشفتي الراوي الذي تابع يقول:
-لكن الحاج الإفريقي أصر علي بشدة، فيما كان أولاده يرمقونني بنظرات الحنان، ولم أجد بدا من أن أخرج من حافظتي تلك الدراهم القليلة قائلا له:
- هذا كل ما معي ..
وبدت رؤيا حالمة مرت أمام عيني محدثنا ثم استرسل:
- الحاج الإفريقي أخذ دراهمي، وخلطها بدراهمه، وقسمها جميعها بكل دقة قسمين، ثم أعطاني نصيبي. وشدني إلى صدر قوي البنية وقال لي ببساطة:
- الآن أنت أخي"
غفل مالك بن نبي وصاحبه عن أصل هذا الخلق من الرجل الأفريقي اذ أصله يماني ! ومعلوم الاتصال الثقافي والتاريخي بين أهل اليمن وأهل الحبشة
قال البخاري 2486 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ