=
=
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم.
وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم -وهي سنته- لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس".
وقد يسخر ساخر من كلام الشيخ غير أنهم هم بالسخرية أولى، فكلامه لا يوجد ما يدفعه، ونفي وجود الاستئثار والظلم بعيد، وما دام الكلام على الشرع والاستدلال بالقواعد الأصولية فلا بد من ذكر كلام العلماء.
وبقي أن يقال إن مشكلة (البطالة) هي مشكلة رأسمالية بامتياز، فالرأسمالية تصنع الإشكال ثم تحاول حله، فهم فرضوا على الناس العمل وفق أنماط الدولة بعد الانتهاء من التعليم الذي فرضوه، وأن تكون أموالهم في البنوك حتى تضبطها مصالح الضرائب وتأخذ ما للدولة، فإن كان المرء يعمل أو يتعلم خارج هذه الأنماط فإنهم يعدونه عاطلًا أو غير متعلم.
ثم إن إحصائيات البطالة لا يمكن أن تنفصل عن الأنماط المجتمعية، فبعض الساسة زجوا بالنساء زجًّا في سوق العمل حتى يخرجوا في لقاءات تلفزيونية ويقولوا (انخفضت نسبة البطالة في البلاد من كذا وكذا إلى كذا وكذا) وفي الواقع هذه ليست لغة أرقام بل هذا استخفاف بالعقول.
فحين تكون في مجتمعات شرعًا وعرفًا وقانونًا الذكر فيها يُطالَب بما لا تُطالَب به الأنثى من المطالبات المالية من مهر ونفقات وحتى ديات، والمنظومة القضائية إما تسير على الشرع في قاعدة الغنم بالغرم أو تسير على الانتقاء الفقهي والتمييز الايجابي (أيْ زيادة حقوق النساء دون زيادة الواجبات عليهن) فهنا عمل الرجل أهم من عمل المرأة، لأن بقاء المرأة في البيت خيار غير معيب شرعًا وعرفًا، ولأن المطالبات المالية في حقها أقل بكثير في العملية الزوجية العملية التي يتكاثر المجتمع من خلالها ويوفر أيدٍ عاملة لمؤسسات الدولة.
فحين تزجُّ بالفتيات حتى قبل إنهاء الدراسة الجامعية في سوق عن طريق محاولة تغيير ثقافة المجتمع، فلا يجوز لك أن تقارن نفسك بحقبة كانت ثقافة المجتمع فيها مختلفة، علمًا أن هذا الزجَّ صوري وليس بحسب احتياج السوق ولكن بحسب رغبة السياسي بتخفيض أرقام البطالة! ودون مشاهدة الآثار السلبية لهذا الأمر على المجتمع من الناحية الأسرية وخصوبة المجتمع وتكاثره.
هذا غير ما يكتنف كل هذا من ضرب للأساس الأكبر وهو الدين، فقديمًا كان العالماني يحتال فيقول: (فصل الدين عن السياسة) ولو لم يكن للدين كلام في القضايا السياسية لما احتجت أن تفصله عن السياسة ولكن الأمر مجرد احتيال.
والآن حيلة (القراءة الجديدة للدين) وهي أن تكون عندك وجهة نظر معينة ويبدو للناظر الذي قرأ في نظريات السياسة والاقتصاد والاجتماع أنها لا زالت غير ناضجة وتحتاج إلى إصلاحات، فتحاول أن تضفي عليها قداسة عن طريق تحويلها إلى قراءة دينية! قراءة دينية مُلزِمة كلُّ من يخالفها يُتهم بالتطرف أو التشدد أو الإرهاب، ثم بعد ذلك نذمُّ احتكار فهم الدين، كم هذا مثير للضحك كمثل صنيع الذي صفع أمه وهو يسألها مستنكرًا: "أنا أعقك؟".