كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إنهم واقعون في ورطة الاعتزال على التحقيق..

المصدر
إنهم واقعون في ورطة الاعتزال على التحقيق.. عند الحديث عن الخلاف بين فرقتين كـ (السلفية والأشعرية) لا بد أن نفهم حقيقة الخلاف وأبعاده قبل أن نقيِّم سلوكيات المختلفين. كثير من الناس ينطلق من مسلَّمة أن الخلاف بينهما قريب، وهو أهون من الخلاف مع الرافضة والخوارج، وفي قضايا فروعية، وأنه لم يصل إلى الحديث عن الكفر والإسلام، ولا علاقة لهذا الخلاف بباب الرد على الملاحدة. ثم انطلاقًا من هذه المسلَّمات كلها يتكلم في أمر الخلاف، والواقع أن ما من نقطة من النقاط المشار إليها إلا وهي غير مسلَّمة. وسأنقل هنا عن ابن تيمية في كتابه شرح الأصبهانية -وهو من أكثر كتبه هدوءًا في الألفاظ وانتقاءً لها- مناقشةَ هذه الدعاوى كلها. قال ابن تيمية في شرح الأصبهانية: "فقال ابن عيينة: قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم فما نعرف القرآن إلا كلام الله ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله، وما أشبه هذا القول بقول النصارى، لا تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم. وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال لأن المعتزلة أولا الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية قول جهم قال: فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله". هنا ينقل عن ابن عيينة قوله بأن المعتزلة والرافضة والقدرية ما كانوا يقولون إلا أن القرآن كلام الله (أيْ كما يقول أهل السنة)، وهذه العبارة قد تكون مشكلة فحلَّ ابن تيمية الإشكال ونبَّه على أن متقدمي المعتزلة مثل عمرو بن عبيد لم يكن معروفًا عنهم القول بخلق القرآن وإنما ظهر في أتباعهم، واستدل بما في مقدمة الرد على الزنادقة والجهمية، وأن متقدمي الرافضة ما كانوا ينفون الصفات. فعُلِم أن بدعة القول بخلق القرآن أشد من كل ذلك عنده (لأنها نفي للصفات)، وعليه فمتأخرو المعتزلة أشد في الضلال من متقدمي الرافضة والمعتزلة. والسؤال هنا: ما موقع متأخري الأشعرية من هؤلاء المعتزلة؟ يقول ابن تيمية في شرح الأصبهانية: "ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى الأشعري إنما هم في باب الصفات مقرون بما تقر به المعتزلة ولا يقرون بما تقر به الأشعرية من الزيادات، وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك فإن الوقف والحيرة ظاهر على كلامه في إثبات الصفات". ويقول أيضًا: "وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف بل يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا الاعتقاد ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة يثبتون الرؤية ويقولون: القرآن غير مخلوق ويقولون: إن الله حي بحياة عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس في هذا الاعتقاد شيء من هذا الإثبات. وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح وهو مشهور بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس ورأيت اعتقاده على هذا النمط ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الرؤية بل جعلها ممّا تأول وكان يميل إلى الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في القرآن ويرجح جانبهم، وحكى عنهم ذم وسب لأحمد بن حنبل". وقال أيضًا: "فإن كثيرًا من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة إذ صاروا واقفين في ذلك كما سننبه عليه". فهنا ينص على أن متأخري الأشعرية الذين منهم الأصبهاني (وهم غالب الأشعرية على التحقيق) خرجوا عن قول الأشعري إلى قول المعتزلة في القرآن ويخرجون إلى قول المعتزلة والفلاسفة. والآن ما الذي قاله السلف في مقالة المعتزلة هذه؟ قال ابن تيمية في شرح الأصبهانية: "قال البخاري: وقال علي بن عاصم: ما الذين قالوا بأن لله ولد أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم. قال: وقال علي بن عبد الله يعني ابن المديني: القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه. قال: وقال أبو الوليد: من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام". وواضح سبب إيراد الشيخ لهذه الآثار، وفي العادة يأتي بعض الناس بكلام مخفَّف في شأن الأشعري أو ابن كلاب مقارنة بالمتأخرين ويستدل به على الدفاع عن الأشعرية المتأخرين الذين هم أصلًا خالفوا ابن كلاب والأشعري وزادوا حتى وصلوا للاعتزال وهذا معناه أنهم أبعد عن العذر من غيرهم. = = وليس معنى هذا سلامة ابن كلاب والأشعري من الذم بالجملة، وإنما معناه أن حالهم أفضل من حال المتأخرين بكثير، فكل ذم فيهم ينطبق على المتأخرين من باب أولى وكل اعتذار لهم لا ينطبق على المتأخرين لأنهم زادوا عليهم. وهذا في سياق الكلام على الصفات الذاتية والرؤية، وأما إن جاء الكلام على مسألة الإيمان على سبيل المثال فإن الكلام في الأشعري يكون شديدًا لموافقته قول جهم. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (7/146): "والحذاق في هذا المذهب؛ كأبي الحسن [الأشعري] والقاضي ومن قبلهم من أتباع جهم". قال الشيخ في الدرء: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله". فخلاصة كلام ابن تيمية أن الإمام أحمد أنكر على ابن كلاب واشتد عليه، ومع ذلك هو خير من الأشعري، والأشعري خير من المتأخرين الذين وافقوا المعتزلة البصريين ومالوا إلى الفلاسفة، والمعتزلة البصريون في السمعيات قولهم قريب من قول أهل السنة غير أنهم لما كانوا منازعين في باب الصفات ما خفف الناس عنهم. والأشعرية اليوم عامتهم على الطريقة التي اقتربت من الاعتزال وزادوا التصوف المنحرف، وعليه فكل كلمة تسامح معهم (مثل دعوى أنهم من أهل السنة أو أن الخلاف معهم قريب) ستفتح الباب إلى مراجعة موقف السلف من المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وهو أقوى مواقف السلف الاعتقادية وإسقاطه يعني إسقاط بقية أقوالهم ضرورةً. وقال ابن تيمية في شرح الأصفهانية: "فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب للمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات نفي أسماء الله الحسنى، وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض المخلوقات فيكون المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى". والشيخ يرى أن هؤلاء الملاحدة المنافقين استطاعوا الاستطالة على أهل الكلام بسبب فساد أصولهم، وهذا الذي ذكره الشيخ رأيته في بعض الرافضة الأخباريين يقول عن المعصوم (هو الله) ثم يقول إن تسميته له بهذا الاسم على جهة الاشتراك اللفظي وإلا فحقيقة رب العالمين مختلفة كليًّا عن حقيقة المعصوم، ويستدل برواياتهم التي تصف المعصومين بأنهم أسماء الله الحسنى. والخلاصة أن الخلاف مع نفاة الصفات أشد من الخلاف مع الخوارج وسبابة الصحابة (إن لم يكونوا جهمية)، وأن التجهم درجات، وأن متأخري الأشعرية بلغوا في ذلك درجات شديدة جعلتهم في مصاف المعتزلة مع كون متقدميهم كانوا يسمون جهمية بلسان السلف، وأن هذا الخلاف مؤثر في باب مناقشة الملاحدة والقرامطة والفلاسفة الدهريين، وأن السلف أطلقوا أشد الأحكام في حق المنحرفين في هذه الأبواب ورأوا ضلالتهم فاتحة الباب لكل بلية. وقد قال محمد الطاهر بن عاشور كما في جمهرة في مقالاته وهو من متأخري الأشعرية: "وحينئذ فأنا أجيب السائل بأن الخلاف بيننا وبين المعتزلة العدلية خلافٌ في أمور خفيفة هي مجالٌ للاجتهاد ومثارة من الأدلة التي تعلقوا بها فيما خالفونا فيه، وتلك الأدلة وإن كان أكثرُها ضعيفًا فليس فيها مخالفة للقواطع. ولذلك فهم أقربُ المخالفين لنا في مسائل الاعتقاد". وهذا اعتراف واضح بقرب المعتزلة منهم وأنهم أقرب المخالفين لهم (أيْ أنهم أقرب من الحنابلة وأهل الحديث) وهذا يؤكد كلام الشيخ أعلاه.