=
=
ومن مقاماته العلية ما ذكره خادمه الغياني لما دعوه لعقد متأخري الأشعرية وأجلبوا عليه بالسلطان : تدعونني أن أكتب بخطي أنه ليس فوق العرش إله يعبد، ولا في المصاحف قرآن، ولا لله في الأرض كلام؟ ودق بعمامته الأرض وقام واقفا ورفع برأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك على أنهم يدعونني أن أكفر بك وبكتبك ورسلك، وأن هذا الشيء ما أعمله. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. نفذت فيهم سهام الله. والله لتقلبن دولة بيبرس أسفلها أعلاها.
وإنه عزيز علي أن يأتي أغمار غيروا وبدلوا ويهدروا جهاد هؤلاء الأولياء _ نحسبهم كذلك والله حسيبهم _ ومن قبلهم إمامهم أحمد ولا يكون ذلك لهوس حركي يؤثر العاجلة وإن ادعى أهله غير ذلك بل يدعون أن هذا هو المذهب وأن مسالك الأئمة الكبار هي مسالك الغلاة والمجانين والله المستعان على ما يصفون فقد انتحل الجهمية في الأزمنة المتأخرة اسم السنة وشوهوه وأدخلوا فيه الجبر والإرجاء والتجهم وانتحلوا اسم الحديث وأدخلوا فيه غرائب خالفوا فيها طريقة المتقدمين ووقفوا على رسوم لا تسمن ولا تغني من جوع من التكثر بالإجازات على غير معنى وغمروا كلام أهل الحديث المبارك بكلام كثير قليل البركة يختلط فيه كلام أولياء الله بأعدائه وانتحلوا اسم الولاية والمشيخة في الزهد وشوهوا الطريق وأدخلوا أحوال المجاذيب والمجان على أحوال الأولياء فمسخوا الدين غاية ومنوا على الناس بهذا المسخ ! وصدقهم البسطاء
قال العلثي في نصيحته لابن الجوزي لما شهد منه انحرافاً عن الطريق :" وإذا تأولت الصفات عَلَى اللغة، وسوغته لنفسك، وأبيت النصيحة، فليس هُوَ مذهب الإمام الكبير أَحْمَد بْن حنبل قدس اللَّه روحه، فلا يمكنك الانتساب إِلَيْهِ بِهَذَا، فاختر لنفسك مذهبا، إِن مكنت من ذَلِكَ، وَمَا زال أَصْحَابنا يجهرون بصريح الحق فِي كُل وقت ولو ضُربوا بالسيوف، لا يخافون فِي اللَّه لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، وَلَهُمْ من الاسم العذب الهني، وتركهم الدنيا وإعراضهم عَنْهَا اشتغالا بالآخرة: مَا هُوَ معلوم معروف"
وما كان ابن عبد الوهاب إلا امتدادا لهذه المسيرة لما حاول أن يحرفها عن طريقها المداهنون غير أنه جرد لهم السنان ولو لم يفعل لناله ما نال أصحابه من التعذيب والإهانة والنكال والتهديد بالقتل على أن الشيخ بداية أمره في مجاهدة أعراب لا يدينون بمذهب
وقال ابن بطة في كتابه إبطال الحيل ص24 :" أنا أقول - والله المحمود - هذه صفة أحمد بن حنبل رحمه الله ، فيا ويح من يدعي مذهبه ، ويتحلى بالفتوى عنه ، وهو سلم لمن حاربه ، عون لمن خالفه ، الله المستعان على وحشة هذا الزمان "