كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إذا أردت أن تعرف السفسطة والإلحاد التي تدرس للناس باسم (العلم الطبيعي) و (الأحيا

المصدر
إذا أردت أن تعرف السفسطة والإلحاد التي تدرس للناس باسم (العلم الطبيعي) و (الأحياء) فخذ هذا نموذجاً. شخص غربي يسأل الذكاء الاصطناعي ليبحث له في كتب الأحياء: (لماذا سمح التطور للعناكب بامتلاك هذا القدر من العيون وكيف تستفيد العناكب من هذه العيون الكثيرة) تأمل أنه يتحدث عن التطور، وأنه شيء موجود قائم بنفسه. وله حكمة وقدرة. القوم على طريقة اليونان يأتون لأوصاف ذهنية ويعاملونها معاملة الموجودات في الخارج، وهذا أس ضلالهم كما نبه عليه ابن تيمية. فحقيقة الانتخاب الطبيعي (البقاء للأقوى) لا يفسر وجود هذا الأقوى من الأساس، فلو قلنا القبيلة الفلانية انتصرت على الفلانية لأنها أكثر عدداً وأحسن تدريباً في الحرب، فهذا لن يفسر لنا وجود هذه القبيلة من الأساس ولا كيف كثر عددها أو حسن تدريبها، وهذا الانتخاب وصف ذهني يعبر عما وقع فعلاً، ولم يوقع شيئاً بنفسه، ولا هو موجود في الخارج. فلو سأل السائل بقوله: (ما الحكمة الإلهية من كون العناكب بعيون كثيرة؟) لكان سؤالاً معقولاً بدلاً من هذا الإلحاد الأخرق. والعجيب أن المجيب ذكر حكماً كثيرة جداً وأطال ثم لخص كلامه لما رأى أنه أطال بقوله: "الملخص: العيون المتعددة هي طريقة اقتصادية تطوريا للعناكب لتنفيذ المهام البصرية متعددة القنوات -المراقبة الواسعة، كشف الحركة، الحساسية للضوء المنخفض، والفحص عالي الحدة- مصممة خصيصا لإستراتيجية كل نوع البيئية. لقد فضل الانتقاء الطبيعي عددا معينا للعيون، وأماكن معينة، وتخصصات داخلية لأنها تزيد من كفاءة الصيد، وتجنب المفترسات، والملاحة، والنجاح في التكاثر". فتأمل ما في هذا الكلام من المعلومات الجليلة وما فيه من الإلحاد الأخرق، وكيف نسب هذه الحكمة الإلهية الظاهرة إلى شيء ذهني لا وجود له إلا في ذهنه أسماه الانتخاب الطبيعي استبدل برب العالمين. حتى أنه في كلامه بين أن كل عنكبوت له عدد أعين يناسب محيطه تماما! قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (9/ 331) : "وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفضيل: أعني أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس. وأما العلماء فيزيدون إلى ما يدركون من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان، هو قريب من عشرة آلاف منفعة قال: وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والفلسفية الحكمية، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط، بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواجب بنفسه، فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات، مثالهم في النظر إلى المصنوعات، التي ليس عندهم علم بصنعها، فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعاً موجوداً". هنا الشيخ كان يتكلم عما يسمى بدليل العناية، وأن العلماء الذين عرفوا دقائق المنافع في جسد الإنسان وجسد الحيوان أعرف من الجمهور بهذا البرهان على قدرة الله وحكمته إجمالاً، وإلا فعموم الناس يدركون قدراً من هذا من خلال مشاهدتهم. حتى جاءت هذه الأفكار الفلسفية السوفسطائية النجسة وقلبت الأمور، فصار الإنسان يرى ألف برهان على الحكمة أمامه ويقول (أراد التطور وأراد الانتخاب الطبيعي) بسفه محض.