طغيان المزاج الديمقراطي !
طغيان المزاج الديمقراطي !
لا شك أن المرء يفرح بانتشار الخير ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً )
غير أننا في زماننا صرنا نعول على الأعداد بشكل كبير حيث صارت قيمة المرء بعدد متابعيه أو عدد المشاهدات
والواقع أن مثل هذا لا يعكس ضرورة النفع المطلوب فقد يحصل المرء مشاهدات كبيرة بسبب حديثه في موضوع مثير للجدل أو اختياره عنواناً ملفتاً للنظر ولكن عامة من سمع كلامه أو قرأه لم يستفد الاستفادة المطلوبة
الأعداد لا يعتبر بها بشكل مجرد بل لا بد من النظر لمن انتفع انتفاعاً حقيقياً من الكلام واستفاد وزادت عنده القوة العلمية أو العملية
لما غفل بعض الناس عن هذا المعنى صار كلما زاد عدد متابعيه زاد خطابه توافقية وبعداً عن المواطن التي قد تزعج بعض الناس مع أنها هامة ومفيدة فلم يزل به الأمر كذلك حتى فقد خطابه كثيراً من قوته التأثيرية وهو مفتون ينظر لأعداد المتابعين فحسب ويسلي نفسه بذلك
ولاحظ في حروب الردة ارتد كثيرون فمنهم من آمن بأنبياء جدد ومنهم من جحد وجوب الزكاة ومنهم من ترك الزكاة فمن الذي أعاد الناس إلى رشدهم ؟
أعادهم النخبة المختارة من المهاجرين والأنصار ممن عاشوا زمن القلة والضعف على صفاء تام فكانوا مع قلتهم أقوى بكثير علمياً وعملياً من الكثرة التي تأخذ بمثل نصيبهم من التربية الإيمانية العالية المستفادة من القرب الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم
هل فهمت الدرس ؟
القلة النقية أقوى من الكثرة التي لم يكتمل نقاؤها وهي من تعيدها إلى الرشد
ليس معنى هذا أن تصير منفراً ولا تحفل بالناس فالنبي صلى الله عليه وسلم ما جمع المهاجرين والأنصار بالتنفير وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه ولكنه أيضاً تتبعهم بالتربية والتنقية وأغلظ على بعضهم أحياناً غلظة انتفعوا بها وما حملوا في صدورهم لعلمهم أن داعيها الرحمة وحب الخير لهم
فهناك فرق بين أن تحب الخير للناس وتدعوهم وبين أن تكلف بهم إلى درجة التنازل عن ثوابتك لأجلهم فتصير مثل أعضاء البرلمانات الذين كثير منهم في حملاته الانتخابية يعتمد أسلوب التجميع لحصد أكبر عدد من الأصوات وهذا يوجب من التلاعب وعدم الصراحة ما يوجب ثم فجأة اتخذ بعضهم استراتيجية مضادة فاتخذ أسلوب الصراحة الجارحة والفجاجة والتصريحات النارية لجمع الأصوات أيضاً لما صار الناس يحبون ذلك من باب التجديد !
وكل ذلك مخالف لطريق النصيحة فإنك ما إن تنصح الناس بأمر وتمحض لهم النصيحة إلا وتضطر أن تسمعهم بعض ما يكرهون وقد يتطلب الأمر منك شدة في بعض المواطن ولا شك أن ذلك سيغضب منك فئة من الناس ولكنه سيساهم في تكوين القلة النقية الذين هم قاعدة المجتمع الفاضل وهذا الغنم يستحق ذلك الغرم ( غضب من يغضب من الناس ويشوش ويسيء )
وشرط الفئة النقية أنك لا تحتاج معها إلى إقصاء شيء من مهمات الدين ، نعم قد تتدرج معهم في إفهامهم فكرة ما وأما الإقصاء الكلي الذي يمارس في العادة من بعض فئات الحركيين فلا يكون معهم ، وشرطها أيضاً أن يكون اتباعها للوحي ليس مشروطاً بشيء لأنهم يؤملون ثواب الآخرة ولهذا لا يستهينون بشيء نفعه أخروي ولا يفترضون التزاحم بين أمور يمكن الجمع بينها ما دامت كلها نافعة في أمر الآخرة.