كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وتجده في مكان آخر يرد عليهم في قولهم أن الزيادة نسخ : فالجواب من وجوه؛ أحدها: أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه؛ فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي غير مقارنة له ولا مقاومة بوجه، وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن وقد سرد ابن القيم أمثلة رد أهل الرأي للأحاديث ورد عليها واحداً واحداً في إعلام الموقعين بما لا مزيد عليه وجعل هذا نظيراً لصنيع الجهمية فتجده مثلاً يقول : المثال الثامن عشر: رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل ثم يقول بعد أن يرد عليهم في مثال آخر : المثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه. وهكذا أخذ يسرد حتى جعلها أمثلة كثيرة جداً انتصار فيها للسنة انتصاراً لا مزيد عليه فيأتي المعاصر ويترك كل هذا ويتشبث بكلمة نقلها ابن القيم في أول الكتاب من الإحكام لابن حزم وهذه عادة فيهم يقرأ الكتاب الضخم فيقتص اقتصاصاً يسيراً ويفشيه في الناس ويترك كل ما قد يوضح البحث أكثر إذا كان سيأتي بنتيجة مخالفة لما يريده وفي إعلام الموقعين أيضاً :" وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالله التوفيق" وقال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى :" ولهذا قال يزيد بن هارون مما يعيب به أهل الرأي: أمر الله بالإشهاد في البيع دون النكاح؛ وهم أمروا به في النكاح دون البيع، وهو كما قال" وقال أيضاً كما في الفتاوى الكبرى :" وتكلم علماء ذلك العصر مثل أيوب السختياني، وابن عون، والقاسم بن مخيمرة، والسفيانين، والحمادين، ومالك، والأوزاعي، ومن شاء الله من العلماء في الدين، وتوسعوا فيها من أهل الكوفة وغيرهم بكلام غليظ لا يقال مثله إلا عند ظهور بدعة لا تعرف دون من أفتى بما كان من الصحابة تفتي به، أو بحق منه ومعلوم أن هؤلاء، وأمثالهم هم سرج الإسلام، ومصابيح الهدى، وأعلام الدين، وهم كانوا أعلم أهل وقتهم، وأعلم ممن بعدهم بالسنة الماضية وأفقه في الدين، وأروع في المنطق، وقد كانوا يختلفون في مسائل الفقه، ويقولون باجتهاد الرأي، ولا ينكرون على من سلك هذه السبيل. فلما اشتد نكيرهم على أهل الرأي الذي استحلوا به الحيل علم أنهم علموا أن هذه بدعة محدثة، وفي كلامهم دلالات على ذلك مثل وصفهم من كان يفتي بذلك بأنه يقلب الإسلام ظهرا لبطن، ويترك الإسلام أرق من الثوب السابري، وينقض الإسلام عروة عروة إلى أمثال هذه الكلمات، وكان أعظم ما أنكروا على المتوسع في الرأي مخالفة الأحاديث والإفتاء بالحيل، ومعلوم أن أحدا من أهل الفتوى لا يخالف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمدا، وإنما يخالفه؛ لأنه لم يبلغه، أو لنسيانه إياه وذهوله عنه، أو لأنه لم يبلغه من وجه يثق به، أو لعدم تفطنه لوجه الدلالة منه، أو لقلة اعتنائه بمعرفته، أو لنوع تأويل يتأوله عليه، أو ظنه أنه منسوخ، ونحو ذلك، وما من الفقهاء أحد إلا وقد خفيت عليه بعض السنة، وإنما المنكر الذي لم يكن يعرف في الماضين الإفتاء بالحيل، وقد ذكر عن بعض أهل الرأي تصريح، أنه قال: ما نقموا علينا من أنا عمدنا إلى أشياء كان حراما عليهم فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا" والآثار التي ذكرها الشيخ تجدها في تاريخ بغداد في إمام أهل الرأي باسمه ولم ترد في أحد غيره فمن هنا يعلم أن كلام السلف ما كان عبثاً ولا كان تحاملاً ولا ظلماً ودفاعات بعض المتأخرين ضعيفة هم أنفسهم نقضوها في مكان آخر وعلماء أهل الحديث أعذر الناس إن كان هناك سبيل للعذر ولكنهم لا يعظمون الناس على الدين حتى يقيموا لهم عذراً في غير محل فدين الله فوق كل شيء وقد نبهت على أن أهل الرأي مع هذه الأصول الفاسدة قبلوا الكثير من الأحاديث الصحيحة التي يردها الحداثيون لأنه لا مجال لردها فعاد احتجاجهم بأهل الرأي حجة عليهم.