كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ومازال ورثة كعب بن الأشرف يتكلمون!

المصدر
ومازال ورثة كعب بن الأشرف يتكلمون! قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}[النساء] قال الطبري في تفسيره 9789 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معكم نقاتله. فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم! فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، (1) ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده؟ قال: بل أنتم خير وأهدى! فنزلت فيه:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا". أقول: هذه الآية وتفسيرها ذكرني بمقطع أرسله لي بعض الأخوة لعدنان إبراهيم يتكلم فيه باستصغار عن المسلمين، وأنهم لم يقدموا شيئاً، وأن الكفار هم من صنعوا المايكرفون. فقلت: حتى كفار قريش كانوا أحسن منه قياساً، ورد الله عليهم فقال سبحانه: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين}[التوبة]. فكفار قريش امتنوا بأمور يبذلونها للناس دون مقابل ورد الله عليهم أن توحيد الله أعظم من ذلك كله، فغاية الخلق هو توحيد الله، فما فائدة أن تحوم حول حمى الغاية ثم لا ترتع أن تنشغل بالوسيلة وتنسى الغاية أنت مغبون والحال هذه. وأما هذا فيمتن علينا بأمور ندفع ثمنها! وقلت لصاحبي: من أين يأتي بالمال الذي يشتري به هو، غالباً ما يكون من تبرعات الناس المنتسبين للملة المتأثرين بكلام المشايخ والوعاظ والذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً حين يتبرعون للمساجد والمراكز الدينية، وهؤلاء أمن عليه ممن يعطيه شيئاً بثمن. ونحن نأكل طعاماً لا نعيش من دونه من كدح مزارعين يزرعون القمح والأرز ثم يبيعون علينا، وهذا أهم من المايكرفون ونحوه، لأنه يحفظ أصل الحياة فهل نقدسهم كما تقدس أنت القوم؟ والدجال إذا خرج ستكون معه دنيا عظيمة وعلى هذا ستكون حجته قائمة على أصول الاستدلال العجيبة التي يستخدمها هؤلاء؛ ثم لماذا لا يذكر اختراعهم للأسلحة والقنابل الذرية التي قتلت الملايين أيضاً؟ لاحظ في كلام قريش أنهم ذكروا محاسنهم الدنيوية، فكعب بن الأشرف خالف الأصول فهو وإن لم يكن مسلماً ولكن من الواضح أن المسلمين أقرب له من عباد الأوثان لأنهم يؤمنون بالتوراة وينكرون عبادة الأصنام، ولكنه ركز على تحالفه الدنيوي مع المشركين فحرف دينه لذلك. وهذا -اليوم- يحصل كثيراً فتجده يزعم أنه ينتمي لمذهب كلامي أو ذوق صوفي ثم يفرح بغلبة الليبرالي أو العالماني على متشرع يخالفه بحجة أنه سلفي أو وهابي، مع أن العالماني أو الليبرالي يهاجم أموراً مشتركة. وقد يقول قائل: لعله يفرح ظناً منه أنه سيكون البديل الشرعي بعد ذهاب السلفي. فيقال: هذا لا يبرر له ما يحصل من تفضيله للقوم على المنتسبين للسلفية تصريحاً أو تلميحاً؛ بل تجد بعضهم يصنع كما صنع كعب بن الأشرف حين سجد للصنمين، فيقر بمباديء عالمانية أو ليبرالية أو حتى يستخدمها للتنفير من مذهب المخالف مع علمه أن أسلافه يخالفونها. على سبيل المثال لا الحصر رمي بعضهم من يحرم تهنئة الكفار بأعيادهم بأنه من المتشددين، وهو هنا يستفيد من الثقافة السائدة للتنفير من خصومه؛ وبعضهم يزعم أنه متمذهب ومعظم لمعتمد المذهب ثم تجده شديد الذم لأقوام انتصروا لمشهور المذاهب الفقهية في مسائل كثيرة جداً، مثل حرمة المعازف وحرمة تهنئة الكفار بأعيادهم والموقف من الرافضة وغيرها كثير. ثم هو متسامح مع أقوام خالفوا إجماعات ميلا للثقافة السائدة، فهؤلاء لهم نصيب من حال كعب وإن لم يطابقوه مائة بالمائة؛ ومثلهم من يقرر في الدرس العقدي أن بعض الفرق الكلامية وقعوا في بدعة مكفرة واثنين وثلاثة وأن ما قال السلف في الجهمية واقع عليهم، ثم تجده يعظم ميتهم ويتملق حيهم ولا يشتد على أحد منهم إلا من يبدأه بالسب، ثم يأتي لقوم سلموا من هذه البدع المكفرة وحاربوها وبينوا للناس خطورتها وأنها مكفرة ثم استبعدوا عذر أهلها، فتجد الواحد من هؤلاء يقول للمتكلم أنت أهدى سبيلاً من هذا الذي يستبعد عذرك فأنت معذور في وقوعك في الكفر وهو غير معذور. ولو فتشت فيهم لوجدت أطماعاً دنيوية تحركهم شأنهم شأن كعب بن الأشرف.