عندما أراد الحنابلة هدم مسجد براثا.
عندما أراد الحنابلة هدم مسجد براثا.
قال أبو بكر الصولي المتوفى عام 335هـ في كتابه أخبار الراضي بالله والمتقي بالله ص198: "وهاج الحنبلية عند موت بجكم فقالوا ظهرت السنة، وحاولوا هدم مسجد براثا، والإيقاع بالضرابين وأهل درب عيون. فأخرج توقيع من المتقي لله بأخذ قوم من الحنبلية فأخذوا وضربوا ونودي عليهم وأمر ابن جعفر الخياط بحفظ مسجد براثا".
أقول: مسجد براثا كان للشيعة، وقد أفتى بعض الفقهاء بهدمه، وقد ظهر الحنابلة منذ ذلك الزمن على أنهم قوة سنية عقائدية شديدة الحماس للعقيدة (وهذه الحادثة قبل ظهور الأشاعرة حتى).
هذا الصنيع قد يكون من عوام الحنابلة المتحمسين للسنة، حتى أن مسجد براثا كان تجمعاً للباطنية والشيعة الذين هدَّدوا في يوم من الأيام دولة الخلافة.
قد ينظر كثيرون إلى هذه الحادثة على أنها شأن تاريخي لا شأن له بواقعنا بحال، وأننا ينبغي أن نتعايش ونترك لغة التكفير والتبديع لنمضي قدماً.
غير أن النزاعات العقائدية الصدام السياسي فيها فرع عن أمرٍ أعظم وهو الحكْم العقائدي.
فأنت تحكم على العقيدة الفلانية بأنها كفر أو بدعة بناءً على قربها وبعدها من النصوص عندك، وينبني على هذا أحكام يتعامل معها الفقيه، مثل حكم الصلاة خلف من يسب أبا بكر أو يقذف أم المؤمنين.
وحكم الصلاة عليه، وحكم تزويجه، وحكم بدائته بالسلام والرد عليه والترحم عليه، وغيرها من الأحكام التي هي من شؤون المكلف في تعامله مع الله عز وجل، لا يمكن لنظام سياسي أن يفرض على إنسان أن يترك هذا فإن ذلك بمنزلة المنع من التدين مطلقاً، وهذا نقيض دعاوى الحرية.
واعتقاد التكفير متعلِّق بعقيدتك في مصير هذا الإنسان في الآخرة (وهذا يؤثِّر على واقعك الدعوي معه وترتيب الأولويات الدعوية)، ولا يمكن أن نغير عقيدتنا في الآخرة لأجل أنظمة فانية أقصى مطالبها الاقتصاد القوي.
فكما أنه لا يمكن للهنود أن يفرضوا على المسلمين اعتقاد أن الهندوس سيذهبون الجنة ويجوز التزاوج معهم، فالأمر نفسه فيما بين الشيعة والسنة إذا كان المرء يعتقد عقيدة في مخالفه، بناءً على بيِّناتٍ وإرث علمي عمره أكثر من ألف سنة.
وكل ما يقال في تكفير المسلمين لأهل الملل الأخرى والدروز والبهائية والنصيرية (وهذا مشترك بين الشيعة والسنة هم كلهم يكفرون هؤلاء) يقال في تكفير فرقة لفرقة أخرى، فكل ما يُخشى مِن تبعات أمنية وغيرها ينطبق على التكفير المتفَّق عليه بين السنة والشيعة.
التعاطي مع الأحكام العقائدية بنفسٍ أمني (وإهمال البعد الفقهي العملي في الأحكام العقائدية) أو فرض رؤية عالمانية تعتقد أنه لا يوجد حق بين الأديان، ولذا ليترك كل شخص استعلائه العقدي، كل ذلك سلوكيات متناقضة خلاصتها: (عليك أن تؤمن بسلَّم أولوياتي وتترك عقيدتك ومع ذلك أنت المتعصب العقائدي)!