إشاعة توبة مطرب (ماذا صنعتَ بأمتي بهذا الصوت)
إشاعة توبة مطرب (ماذا صنعتَ بأمتي بهذا الصوت)
قال أبو العلاء المعري في رسالة الصاهل والشاحج: "ومما يتصل بهذا، حديث ذكره "ابن خرداذبة" في "كتاب طبقات المغنين" عن "أبي سعيد المكي. المغني" -واسمه إبراهيم، وهو مولى لقائد، وقائد مولى عمرو بن عثمان- وكان أبو سعيد هذا مغنيًا، وكان مع ذلك مقبول الشهادة معدلًا. وكان يقول الشعر ويلحنه، فكان مما قال وغنى به هذا البيت:
لقد طُفْتُ سَبْعًا قلتُ لَمَّا قَضَيتُها ... أَلا ليت حَجِّي لا عَليَّ ولا لِيَا
وبعث إليه "محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب" -وهو الملك الذي كانت تعرفه بنو العباس بالمهدي، والد هارون- وكان "أبو سعيد" تنسك، ولم يكن يضرب بالعود.
فلما قدم على "محمد" قربه وأدنى مجلسه. وقال له محمد: غنني:
لقد طفتُ سبعًا قلتُ لما قضيتُها ... أَلا ليت حَجِّي لا عليَّ ولا ليا
-لأبي سعيد- قال: أو أغنيك أحسن منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت وذاك. فغناه:
إِن هذا الطويلَ من آلِ حَفْصٍ ... أَنشرَ المجدَ بعد ما كان ماتا
وبناهُ على أَساسٍ وثيقٍ ... وعِمادٍ قد أُثبتَتْ إِثباتَا
فأحسنه. وقال "محمد": أحسنت يا أبا سعيد، غنني:
لقد طُفتُ سبعًا
قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: ذلك إليك. فغناه:
قَدِمَ الطويلُ فأَشرقتْ واستبشرتْ ... أَرضُ الحجازِ وبانَ في الأَشجارِ
فأحسنه وأجاد.
فقال "محمد" مثل قوله الأول، واقترح عليه: "لقد طفت سبعًا".
قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: قل ما أحببت. فغناه:
إِن الطويلَ من آل حفص فاعلموا ... ساد الحضورَ وساد في الأَسفار
فقال له "محمد": صر إلى ما دعوناك إليه.
فقال: يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك سبيل. لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي، وكأن في يده شيئا لا أعلم ما هو. وقد رفع يده ليضربني وهو يقول: "لقد طفت سبعًا، لقد سبعًا طفت؟ ماذا صنعت بأمتي بهذا الصوت؟" فقلت: بأبي وأمي، اعف عني. فوباعثك بالحق ومصطفيك للرسالة والنبوة، لا غنيت بهذا الصوت أبدًا.
فرد يده صلى الله عليه وسلم، وقال عفا الله عنك إذًا.
وانتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا في منامي، فأرجع عنه في يقظتي.
فبكى "محمد" وقال: أحسنت يا أبا سعيد، أحسن الله إليك، لا تعد في غنائه"".
أقول: ما ذكره من قبول شهادته مما لا تعضده المذاهب الفقهية المعروفة غير أن هذه القصة سواءً صحت أم لم تصح فيها عبرة، فهذا المغني رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فعاتبه قائلًا "ماذا صنعت بأمتي بهذا الصوت؟" (أيْ بهذه الأغنية) يعني أنك فتنتهم به.
وفي ذلك الوقت ما كانت الأغاني فاشية فشوها اليوم.
وإن من الأمور التي ترعبني حقًّا ذلك الإنسان الذي بقي ثلاثين عامًا وهو يبث أغاني الغرام ويتصور مع النساء ويراه الملايين..
كم جمع من السيئات؟
والبلاء أن يأتي إنسان ويغبطه على ذلك أو يثني عليه ويطلق عليه ألقاب التعظيم، فربما يصير شريكه في هذه الآثام التي جمعها كلَّ هذه السنين، فلو كان الأمر مباحًا لندم المرء أشد الندم يوم القيامة على قضائه كل هذا الجهد في أمر مباح ولو قضاه في طاعة لكان عنده جبال من الحسنات.
ولا يخدعك كلام من يتحدث عن خلاف في سماع هذه الأمور، فالصورة الموجودة محرمة لا ينازع عاقل فيها.
وإن كثيرًا من الكلمات الملحنة بلاؤها في أنها تحرك معانيَ في النفس على هيئة تُخرِج الإنسان عن حد الاعتدال وتُمرِض قلبه، وهذا يكثر في أغاني الحب والغرام خصوصًا إن كانت حزينة.
فكم من إنسان دخل في هذه الأمور لو رآه النبي صلى الله عليه وسلم لقال له: "ماذا صنعت بأمتي؟" أو نحوها من عبارات العتاب والتقريع.