في رحاب من كانوا يظنون أنه لا يحسن أن يعصي الله
في رحاب من كانوا يظنون أنه لا يحسن أن يعصي الله
قال مالك بن أنس لسفيان الثوري: يا أبا عَبد اللَّهِ، من خلفت في العراق؟ قال: فكرهت أن أذكر له أهل الكوفة، قال: فقلت له: تركت بها أيوب، ويونس بن عُبَيد، وابن عون، والتَّيْمِيّ. قال: فقال لي: ذكرت الناس! (تاريخ أبي زرعة الدمشقي: 1 / 475).
هنا إمام أهل المدينة في وقته يسأل إمام الكوفة من ترك بالعراق فذكر له جماعة بصريين فيظهر إمام أهل المدينة إعجابه بهم ويقول هؤلاء الناس !
فمن هم هؤلاء ؟
الأربعة المذكورون هم تلاميذ الحسن البصري وعامتهم رأى أنساً الصحابي خادم رسول الله عليه وسلم وكانوا متصلبين في السنة رادين على الشيعة والقدرية وثقات أثبات في الحديث وفقهاء ومع ذلك كله زهاد عباد ، وقد كان الحسن البصري في التابعين كمثل ابن مسعود في الصحابة في الثمرة في التلاميذ فكل واحد منهما كأنه نفث في روع تلاميذه فضائله فكان التلاميذ لا يخطئون شيئاً من فضائل شيخهم يحوونها بأسرها ، وقد تتلمذ سفيان على تلاميذ الحسن وحوى علم أصحاب ابن مسعود لكوفيته مع ما حمله عن شيوخه الآخرين فكان ذلك الشيء العجب في فقهه وزهده وورعه وصلابته في السنة ومجانبته السلاطين وتثبته في الحديث فملأت أخباره وفضائله كتب المتقدمين في كل فن واقتدى به علماء الطوائف كلها ، وكان كمثل أصحاب الحسن وتلاميذ ابن مسعود كلمة إجماع الكل يثني عليهم الحجازي والنجدي والشامي والمصري والعراقي والخراساني من كل فرقة ومذهب
وكره سفيان أن يذكر بلده الكوفة لأنه يعلم أن مالكاً لا يعجبه التدليس في الحديث أو التشيع وإن خف أو شرب النبيذ المختلف فيه وقل أن يوجد كوفي سلم من كل ذلك فذكر له أصحاب الحسن السالمين من كل هذه الأمور _ إلا شيئاً من الإرسال الحفي _ وشتان بين سفيان حمل الكوفيين على فضائل البصريين من أصحاب الحسن وحاول إرجاعهم إلى سيرة أصحاب ابن مسعود وبين أهل الرأي الذين جاءوا للأمر المستقيم في الكوفة وشوشوا عليه
ولا يمكن الحديث عن جميع أصحاب الحسن المذكورين ( وهناك غيرهم فضلاء ) وإنما سأتكلم عن التيمي آخر من ذكر سفيان وهو سليمان بن طرخان التيمي
وَقَال الربيع بْن يحيى ، عن شعبة: ما رأيت أحدا أصدق من سُلَيْمان التَّيْمِيّ، كَانَ إذا حدث عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تغير لونه.
هذا تعظيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم وما ذكر عن أحد منهم استغاثة به أو توسل بجاهه وهم حملة سنته وأحرص الناس على تعظيمه وقد تتلمذ على التيمي شعبة إمام أهل الحديث قاطبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم من الأعيان وطال عمره حتى أدركه بعض شيوخ الإمام أحمد المباشرين مثل يحيى بن سعيد القطان وإسماعيل ابن علية
وَقَال أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ العجلي : تابعي ثقة، وكَانَ من خيار أهل البصرة.
وَقَال مُحَمَّد بْن سعد : كان ثقة، كثير الحديث، وكَانَ من العباد المجتهدين، وكَانَ يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة، وكَانَ هو وابنه يدوران بالليل فِي المساجد فيصليان فِي هذا المسجد مرة وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا.
ومعتمر بن سليمان كمثل أبيه في العبادة والتقى والتثبت في الحديث
وَقَال علي بْن المديني ، عَن يحيى بْن سَعِيد: كَانَ التَّيْمِيّ عندنا من أهل الحديث.
وَقَال في موضع آخر: سمعت يحيى) - وذكرنا التَّيْمِيّ - فقال: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه.
يحيى القطان هذا من شيوخ أحمد وهو أحد كبار أئمة أهل الحديث وتتلمذ على الأعيان يكفيك أن من شيوخه سفيان ومالك
وَقَال أَحْمَد بْن إبراهيم الدورقي، عَنْ معاذ بْن معاد: كنت إذا رأيت التَّيْمِيّ كأنه غلام حدث قد أخذ فِي العبادة. قال: وكانوا يرون أنه أخذ عبادته عَن أبي عُثْمَان النهدي
يعني نشاطه في العبادة كأنه شاب للتو دخل في النسك وكان هذا خلق سفيان في العبادة وفي طلب الحديث ويبدو أنه أخذه منه وحمل عنهم هذا الخلق أحمد ابن حنبل وقال محمد بن إسماعيل الصَّائغ: كنت أصُوغُ مع أبي ببغداد، فمرَّ بنا أحمدُ بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخَذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟ ! إلى متى تعدو مع هؤلاء؟ ! قال: إلى الموت.
واليوم يحمل المرء شهادة علمية في نظام ما كان السلف عليه فيتثبط عن الطلب أو الخير ككل وكأنه أخذ صك غفران