كتب الأستاذ تراثوي : من المتواتر عن المتقدمين من أهل السنة والحديث وغيرهم ذمهم ل
كتب الأستاذ تراثوي : من المتواتر عن المتقدمين من أهل السنة والحديث وغيرهم ذمهم لعلم الكلام .. وهؤلاء الذين ذموا الكلام من المعظّمين عند عامة الطوائف الكلامية المنتسبة للسنة .. بل بعضهم معظّم عند المعتزلة .. وبقي في أكثر الطوائف من يذم الكلام .. فتصوير أن الكلام ما هو إلا نصرة أصول الدين بالعقل كما يفعله بعض الناس مؤداه لتسفيه كل هؤلاء بجعلهم أنكروا مجرد الإنتصار العقلي للمطالب العقدية وهو أمر موجود في الوحي وصنعه خلق من السلف ..
لذا كون مفهوم الكلام لا يصح تفسيره بمجرد ما يذكره أنصاره من العصريين -تبعا للموجود ببعض الكتب- من تعريفه بمجرد نصر الدين بالعقل أمر ينبغي تسليمه من الجميع وإلا كان المرء بين إنكار المتواتر أو تسفيه وتجهيل أئمة من أئمة الدين بالإتفاق.
وبعد ذلك يأتي بحث ما هو الكلام المذموم ؟ وما بواعث من ذمه ؟ وهل كان مخصوصاً بالعرف بأمر مذموم ؟ ونحو ذلك مما يصلح أن يكون ميدان بحث ونظر عند من يحترم العلم لا من لا هم له إلا الإستطالة على خصمه بأي سخف كان ..
وعلقتُ عليه بقولي :
البحث هو هل يوجد في القرآن والسنة منهج عقلي للبرهنة لغير المسلم على صحة دين الإسلام ؟
عامة المتكلمين أو دعاة الكلام يتناسون تماماً أَن القرآن نزل أول ما نزل على قوم لا يؤمنون بالوحي وكان فيه براهين على إثبات الإلهيات والنبوات والمعاد
وقد بسط ابن القيم في الصواعق المرسلة هذه البراهين
وتكلم على هذه البراهين عموم المفسرين فهل كانوا جميعاً متكلمين ؟
وحين أقول ( هل يوجد منهج ) فهذا يختلف عن قولي هل يوجد رد على كل مبطل بعينه في عين مقالته
فحتى أصحاب الكلام يضعون منهجًا ثم يزعمون لمن تعلمه أنه قادر على التعامل مع كل الإشكالات الجديدة فمثلاً لن تجد كلاماً لمتقدمي المتكلمين عن ميكانيكا الكم أو نظرية التطور
وحين يكتب الغزالي إلجام العوام عن علم الكلام هو لا يعني إلجام العوام عن التدبر في الآيات الكونية والمتلوة أو إلجامهم عن فهم تناقضات اليهود والنصارى والملاحدة فذلك له أصل القرآن أصلاً وحين يقول أنه وجد فائدة الكلام قليلة فهو لا يعني أَن فائدة دعوة غير المسلمين ورد الإشكالات قليلة قطعًا
ومثل هذا يقال في ذم بعض أعيان المتكلمين للمنطق فلا شك أنهم لا يفهمون أَن المنطق هو مطلق الإستدلال العقلي
فالخلاصة أَن علم الكلام لا يساوي المعقولات المطلقة ولا الدفاع عن عقيدة ثبتت أمام تشكيكات وردت عليها فهذا قدر معلوم عند كل العقلاء من جميع أهل الملل وجعل هذا هو عين الكلام يقتضي جعل جميع المتناظرين في أمر الملل متكلمين وعلى رأسهم الأنبياء وهذا يشبه جعل من يتكلم شاعرًا !
وإنما علم الكلام عند من ذمه وأدرك حقيقته منهج خاص في دراسة المعقولات له أصوله وفروعه الخاصة كما يقال في مدرسة أهل الرأي في الفقه ذمها لا يقتضي ذم الفقه من أصله ولا يقتضي أنه لا صواب في كلامهم ولكن ذمها هو لترجيح مدرسة أخرى عليهم وهي مدرسة أهل الحديث
هكذا الأمر نفسه في علم الكلام وأصحابه لا ينظرون له على أنه تابع للوحي بل هو موازي له فلهذا تجدهم يثبتون عدم قدم العالم عن طريق منع حلول الحوادث ثم يصفون النصوص التي ظاهرها إثبات الصفات الفعلية بأنها نصوص مستحيلة الظواهر واجبة التأويل
ومنهج بني عليه مخالفة الظواهر المتواترة أنى له أَن يساوى بتثبيت البديهيات العقلية التي يتفق عليها جميع بني آدم
وتجد المعتزلة مثلاً يأخذون بظواهر النصوص التي تثبت الحكمة والتعليل والأشعرية يتأولونها لمخالفتها للمعقولات عندهم والأمر معكوس في مسألة الرؤية الأشاعرة يأخذون بالظواهر والمعتزلة يأبون ذلك لمخالفة المعقولات ثم الإستدلال ببعض المجملات النصية لذر الرماد في العيون ( وإن كانت نهاية الخلاف لفظية بين عدد منهم ) وكل يزيف معقولات الآخر وهذا كله يدل على أنه دين موازي يحمل عليه الدين الأصل ويزعم أَن الدين الأصل ظواهر نصوصه تخالف العقل ! أو هي تشبيه ثم لماذا الأشعري ينفرد باسم السنة دون المعتزلي إشكال يجب التعامل لمن يعتقد ذلك وإلا الكل عندي جهمية
ونحن نرى في جدليات الفقهاء من إلزام الخصم بقياس الأولى وبيان التناقض وغيرها من المعاني ما يظنه بعض الناس من خصائص علم الكلام
وعامة ما سبق اعتمده ابن الوزير اليماني في كتابه تفضيل أساليب القرآن وخلاصته أَن من فهم القرآن والسنة ومنهجهما في إقامة البينات على المخالفين صار عنده منهج عقلي سليم متوافق مع الفطرة يمكنه من التعامل مع المحدثات الجديدة لأن فيهما أصولاً كلية تبين كيف تدحض كل باطل وهذا معنى قول جماعة من السلف كل مبطل فالرد عليه في القرآن وأن المنطق اليوناني أو علم الكلام دخله إشكالات كثيرة مع ما فيه من حق جعلت من يعتمدونه في حيرة وتناقض.