شيخ الفقهاء وشيخ المتكلمين يقبِّلان يد واعظ حنبلي..
شيخ الفقهاء وشيخ المتكلمين يقبِّلان يد واعظ حنبلي..
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (27/ 152): "محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس، الإمام أبو الحسين بن سمعون البغدادي الواعظ.
سمع أبا بكر بن أبي داود، ومحمد بن مخلد العطار بن البختري، وبدمشق أحمد بن سليمان بن زبان، ومحمد بن أبي حذيفة وجماعة، وأملى عنهم.
روى عنه: أبو عبد الرحمن السلمي، وعلي بن طلحة المقرئ، والحسن بن محمد الخلال، وأبو طالب العشاري، وأبو الحسين بن الأبنوسي وخديجة بنت محمد الشاهجانية الواعظة، وأبو بكر أحمد بن محمد بن حمدوه، الحنبلي، وآخرون.
قال السلمي: هو من مشايخ البغداديين، له لسان عال في هذه العلوم لا ينتمي إلى أستاذ، وهو لسان الوقت والمرجوع إليه في آداب المعاملات، ويرجع إلى فنون من العلم.
وقال الخطيب: كان أوحد دهره وفرد عصره في الكلام، على علم الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ، دوَّن الناس حِكمه وجمعوا كلامه، وكان بعض شيوخنا إذا حدثنا عنه قال: حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة.
قلت: ولد سنة ثلاثمائة".
هذا الرجل حنبلي مترجم في طبقات الحنابلة.
وقد قال ابن المبرد في جمع الجيوش والدساكر متعقبًا ابن عساكر: "ثم ذكر أبا الحسين بن سمعون، وساقه بترجمة طويلة، وقد افترى عليه فإن هذا إمام محدث من أعيان متقدمي الحنابلة غير كونه عارفا بعلم الكلام للجدل على أنه من أصحابه".
وترجمته حافلة بالمواعظ الجليلة، غير أنه جذب نظري أمرٌ في ترجمته وهو قول الذهبي ناقلًا عن ابن عساكر: "قال أبو ذر: وكان القاضي أبو بكر الأشعري وأبو حامد يقبِّلان يد ابن سمعون إذا جاءاه، وكان القاضي أبو بكر يقول: ربما خفي علي من كلامه بعض الشيء لدقته".
قد يبدو هذا الأمر عجيبًا فأبو بكر الأشعري هو الباقلاني شيخ المتكلمين.
وأبو حامد الإسفراييني هذا شيخ الشافعية ويعدُّونه المجدد بعد الشافعي.
وعادة أهل الكلام والفقهاء يزرون على الوعاظ، والواقع أن المتكلم إذا فقه تمام الفقه فإنه لا يزري على الوعاظ لأنه بكثرة جدله يعرف السفسطة وأن بابها العناد والشهوة وهذا إنما يذيبه الوعظ إن قُدِّر وجود شيء يذيبه.
والفقيه إذا فقه تمام الفقه فإنه يعرف الحيل التي يحتال بها بعض المتفقهة ومسلك تتبع الرخص غير الناس الذين لا يبالون بحلال ولا حرام وهؤلاء إنما ينفع معهم الوعظ (إن نفع معهم شيء).
فهذا والله أعلم سبب تقدير هذا الفقيه وهذا المتكلم لهذا الواعظ، وأما نصف الفقيه ونصف المتكلم فتراه يزري على الوعاظ أو الخطاب الوعظي.
وربما رأيت بعض طلبة العلم يستروحون للمروي عن العلماء في ذم القصاص لذم مطلق الخطاب الوعظي، وليس كذلك فإنما ذموهم إذا كان كلامهم مليئًا بالأكاذيب والموضوعات وإذا كان يُبعد الناس عن التفقه، أما إذا كان وعظًا مستقيمًا على طريقة الأوائل كتلك المواعظ التي تجدها في كتب الزهد فهذا حسن.
جاء في ترجمة بدر بن أبي بدر المغازلي في تاريخ بغداد: "أبو بكر الخلال -وذكر بدر بن أبي بدر- فقال: كان أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقدمه ويكرمه، وكنت إذا رأيته، ورأيت منزله، ورأيت قعوده، شهدت له بالصلاح، والصبر على الفقر.
وقال الخلال أخبرني الحسن بن منصور الرقي. قال: ربما كنا عند أحمد بن حنبل فيخرج الشيء فيقول: أين بدر؟ ثم يقول: هذه من بابتك -يعني أحاديث الزهد ونحو ذلك-".
هنا الإمام أحمد رأى رجلًا عابدًا فكان يحتفي به ويجمع له أحاديث في الزهد ويقول له: "هذه من بابتك" يعني أخبار زهد تناسبك.