في رحاب وعظ أم المؤمنين
في رحاب وعظ أم المؤمنين
حين قلت أنني لا أملُّ من الحديث عن أم المؤمنين عائشة فأنا أعني ما أقول غير أنني أحرص على التنويع والاختصار في مواد القناة فيأخذني ذلك بعيداً عن الحديث عنها أحياناً وكُلي شوق إلى الحديث عن مآثرها
روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده قال 455 - حدثنا كثير، ثنا جعفر، ثنا يزيد يعني ابن الأصم قال: تلقيت عائشة أنا وابن عمر وطلحة وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلَت على ابن أختها تلومه وتعذله ثم أقبلَت علي فوعظتني موعظةً بليغةً , ثم قالت: «أمَا علمتَ أنَّ الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبَت والله ميمونة ورمي برَسَنك على غاربك , أمَا إنها كانت مِن أتقانا لله، وأوصلنا للرَّحم.
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام مختصراً في غريب الحديث متابعاً للحارث مقتصراً على موطن الشاهد الذي أراده
معنى الأثر أن ابن أخت عائشة وابن أخت ميمونة دخَلا بستاناً فأكلا منه دون إذن صاحبه فوعظَتهم أم المؤمنين وقرَّعتهم على هذا السلوك وكان من وعظها ليزيد أن ذكَّرته بتُقى خالته ميمونة ( وهي ضرة عائشة ) ومع ذلك ذكرَت فضيلتها
وذكَّرته بفضل الله عليه إذ جعل خالته في أمهات المؤمنين فقالت ( ساقك الله حتى جعلك في بيت نبيه )
والوعظ بالتذكير بالنعمة هذا منهج قرآني : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضَّلتكم على العالمين )
ومشاهدة النعمة مع مشاهدة التقصير مفتاح اليقظة ولهذا نقول في دعاء سيد الاستغفار : ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي )
ومشاهدة النعمة ترياق عقدة المظلومية والتي كانت بذرة لعدة اعتقادات فاسدة منها النسوية ، فإذا شاهد المرء منَّة الله عليه بالإسلام وأبوَين مسلمَين _ إن وُجِدا _ مع كون غيرك يفقد هذه النعمة ومع وجودك في مجتمع يُعظِّم القيم الإسلامية بالجملة ( ومن شاهد أحوال الغربيين حديثي العهد بالإسلام أو المسلمين الذين يعيشون هناك يدرك هذا جيداً ) ومع كونك تُحسن العربية ويمكنك الانتفاع بالتراث بما لم يتيسر لغيرك ومع نعمة العافية والأمن وغيرها من النعم التي يفقدها كثير من الناس ثم تجد المرء وهو غارق في كل ذلك يقع عليه شيءٌ من الظلم أو ما يتوَّهمُه ظلماً فيدخل في عقدة المظلومية وتكون سبباً في نظرةٍ سوداوية لكثير من العناوين المستقيمة التي لا شيء فيها ، ولهذا أُمِرنا أن ننظر في أمر الدنيا لمن هو دوننا فإنه أحرى ألَّا نزدري نعمة الله علينا
وتأمَّل كيف أن أم المؤمنين وعظَته بالنعمة الدينية وتركَت كل النعم الدنيوية فالدين هو الأساس ولهذا عامة من يصابون بعقدة النقص والهزيمة الثقافية يكون عندهم عدم تقدير لهذه النعمة العظيمة لهذا فِهم براهين العقيدة ومن ثم الاعتزاز بها دون كِبر هو علاج جلد الذات والهزيمة الثقافية والتبعيَّة للغالب عسكرياً.