من نفائس ابن تيمية: ”التعطيل لا يكاد يقع إلا عن عناد“..
من نفائس ابن تيمية: ”التعطيل لا يكاد يقع إلا عن عناد“..
قال شيخ الإسلام: (الذي في الحديث أن الشياطين أمرتهم _ يعني بني آدم _ أن يشركوا به مالم ينزل به سلطانا وهذا المرض العام في أكثر بني آدم وهو الشرك كما قال تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وأما التعطيل فهو مرض خاص لا يكاد يقع إلا عن عناد كما وقع لفرعون)[ درء التعارض ٢ / ٦٣]
أقول: الشيخ يعني بالتعطيل هنا ما نسميه بـ(الإلحاد) وأشبه كلام المنتسبين للملة بهذا التعطيل هو كلام الجهمية نفاة العلو.
قال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية مخاطباً الرازي (4/292): "فتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحوده لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة".
وقال الشيخ في الدرء: (ومما يوضح هذا أن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات، وذموا المشبهة أيضاً، وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه).
قال شيخ الإسلام كما في جامع المسائل تحقيق محمد عزير شمس المجموعة الثامنة ص137:
"فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.في مبدأ دولة التتار « ابن الخطيب » _ يعني الرازي الأشعري _ متكلم المعطلة الجهمية والزنادقة.
و« ابن العربي » متصوفهم وعارفهم فاتفقا على جحد رب العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل واختلفا بعد ذلك. فالأول: أثبت العالم؛ لكن بالكلام الباطل، والثاني: أثبت العالم، لكن بالعقل الفاسد.فتدبر هذا واجمعه مع ما قدمته من القواعد يتبين لك الأمر. والله أعلم".
فإذا كان التعطيل أعظم من الشرك ولا يقع فيه الناس إلا عناداً في الغالب وهو باعتراف أهله أقل في الناس من الشرك ومن التوحيد فتجد الغزالي يقول أن عقيدتهم بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه لا يعتقدها إلا الواحد في الألف
ففي هذا عبرة لمن يشتد في أمر الشرك ثم إذا جاء إلى التعطيل (نفي الصفات) تجده يهون من شأن الأمر، ومنهم من ينفي العذر عن الواقع في بعض صور شرك العبادة مطلقاً ومنهم من يعتبر الخلاف في ذلك سائغاً _ يعني العذر وعدمه _ ثم إذا تكلم عن التعطيل قال عن المعطل ( نحفظ مقامه ولا ننتقص من قدره)!
وقد هون الكثير منهم من شأن التعطيل بحجة تعظيم العلماء الذين وقعوا في هذه الآفة الخطيرة وهذه مصادرة على المطلوب؛ إذ أن الرجل نحكم عليه بعد الحكم على عقيدته لا أن نحكم على عقيدته من خلال نظرنا إليه بتعظيم!
وقد علمت خطورة داء التعطيل وكثير من هؤلاء اجتمع فيه التعطيل والشرك ومعلوم أن العلم، إنما يراد أول ما يراد لسلامة التوحيد من الشرك والتعطيل بكافة صورهما فمن لم ينفعه علمه في ذلك فقد فاته أعظم العلم وإذا كان مع فوات أعظم هذا عنه مرجوا عندك له النجاة فلو فات على المسلم ما مع هذا العالم من العلم فإنه يرجى له النجاة من باب أولى إن حصل التوحيد (هذا إن سلمنا أن الاستفادة تعني التزكية).
وصف ابن تيمية إنكار العلو بأنه (قهر للفطرة) وهنا يقول عن التعطيل أنه لا يقع للناس إلا عناداً في الغالب علماً أن الكفر لا يحصر بالعناد.
وقال ابن تيمية في الدرء: ”والمقصود أن ابن كلاب إمام الأشعري وأصحابه، ومن قبلهم كالحارث المحاسبي وأمثاله، يبين أن من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه، فقوله فاسد، خارج عن طريق النظر والخبر، وأنه قد ورد خبر الله نصاً، ولو قيل له: صفة بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر منه، وأنه قال ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وأنهم قالوا: هذا هو التوحيد الخالص، وهو النفي الخالص، فجعلوا النفي الخالص هو التوحيد الخالص.
وهذا الذي قاله هو الذي يقوله جميع العقلاء، الذين يتكلمون بصريح العقل، بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد“.
وهنا ينص على أن قولهم الذي هو قهر للفطرة أنه مخالف لكلام جميع العقلاء وأنه وهم خالص وأنه هو النفي الخالص وكلمة النفي الخالص تساوي (التعطيل) المذكور في أول المقال.
وقد رأيت من يستروح للكلام على حكم تارك الصلاة وساب الله وساب الصحابة حتى إذا جاء الكلام على حكم المعطلة فرق أشد الفرق علما أن الأصناف المذكورة في المنتسبين للملة أكثر من المعطلة بكثير، هذا غير من يقع في الشرك.