هذا الانحراف يقود إلى الإلحاد أكثر من مواقف الشيوخ السياسية!
هذا الانحراف يقود إلى الإلحاد أكثر من مواقف الشيوخ السياسية!
قال ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» [1/ 391]: "الوجه الرابع: أن هذه المعارضة قد أخذها الرازي ممن احتج بها قبله كأبي المعالي وذويه، فإنهم ذكروها في «مسألة حدوث العالم» وذكروها في «مسألة الجهة» لما أورد عليهم كل واحدة من الطائفتين، ما عارضهم به من القضيتين الفطريتين، فظنوا أنهم بهذا الإلزام أنهم يخلصون من معارضة الطائفتين، ويجعلون ذلك دليلًا على أنها من حكم الوهم، ومع هذا لم يخلصوا بذلك من معارضة الطائفتين، بل ادعوا ما يخالف العقل الصريح، وكان ذلك مما سلط عليهم الفلاسفة الدهرية: رأوا احتجاجهم بهذه الحجة الضعيفة، وكان ذلك مما سلط عليه المسلمون المثبتون وهذا كما ذكره الإمام أحمد في مناظرة جهم للسمنية فهكذا أجاب أهل الكلام، الذين تكلموا في مناظرة الكفار، وأهل الأهواء من المذاهب والحجج بما ليس موافقًا للشريعة، وما ينكره العقل الصريح، فصاروا كما جاهد من جاهد الكفار جهادًا ظلمهم به، وخرج فيه عن الشريعة، وظلم فيه المؤمنين جميعًا، حتى كان مضرة ذلك الجهاد على المسلمين، وعلى أنفسهم وعلى عدوهم أكثر من منفعته".
كان من الجيد أن أقرأ هذا الكلام في هذه الأيام إذ يكثر الحديث عن ضرورة اتحاد أهل الحديث (السلفية) وأهل الكلام (الأشاعرة والماتردية) ضد العدو المشترك (الإلحاد والعلمانية).
وأيضاً مع تسجيل بعض المثقفين حلقات يتكلم فيها عن البوطي، ويذكر أن موقفه من الثورة السورية كان سبباً في إلحاد كثير من محبيه.
ووجه ربط هذا الكلام من ابن تيمية بهذين الأمرين هو:
أن كلام الشيخ يبيِّن أن وجود عدو مشترك ليس أمراً جديداً، فالجهم بن صفوان اخترع منهجه وهو يناظر عدواً مشتركاً وهم السُّمَنية وهم كفار أصليون.
وكذلك أهل الكلام من معتزلة وأشاعرة وماتردية ردوا على الفلاسفة الدهرية بكلام يرى أهل الحديث أنه مخالف للفطرة وظواهر النصوص بل والعقل الصحيح، إذ أنكروا الأفعال الاختيارية لله -عز وجل- وكثيراً من الصفات.
فكان هذا الموقف سبباً في تسلط الفلاسفة الدهرية عليهم، وإذا ظن الفيلسوف أو الكافر الأصلي أو العامي أن كلام المتكلمين هو الإسلام أو قولٌ وجيه في الإسلام؛ فإن ذلك يسبب له فتنة عظيمة ويدخله في شكوك وبلايا، وقد كان هذا كله في التاريخ.
وقد قرأت في بعض كتابات علي عزت يبجوفتش أنه قال إن العلمانية في تركيا لم تهزم الإسلام وإنما هزمت الطريقة البكتاشية.
وعلى كل مسلم أن يعتقد أنه لا يواجه الاعتقادات الباطلة مثل الوحي النقي، والذي ما أمرنا الله -عز وجل- بالرد إليه عند الخلاف إلا وذلك ممكنٌ ومتحقق ويرفع الخلاف، ومن خالف بعد البيان فالتهمة فيه وليست في النصوص.
إذا فهمت هذا علمت أن فكرة الاتحاد ضد العدو المشترك غير ممكنة؛ لأن الخلاف إنما وقع في منهج الرد على العدو المشترك فاخترع الجهم ديناً تبعه عليه من تبعه، فصار هذا الضرب من الاجتماع من الممتنعات.
وأما قصة إلحاد بعض الناس بسبب مواقف بعض الشيوخ السياسية فهذا غريب، فإنه من المفترض أن يعتقد المرء أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وأن دين الله -عز وجل- قائم على براهين وليس متجسداً في شخص أو أشخاص، وأن هذا الشيخ يُفترض أن يكون علَّم مريديه ومحبيه براهين نقض الإلحاد التي لا تجعله خياراً حتى في أصعب الظروف، وعجيبٌ التفكير بالإلحاد وعدم التفكير بالانتقال لمذهب إسلامي آخر!
غير أن الذي أريد قوله إن المنهج المنحرف الذي أوجده المتكلمون والذي حقيقته أن الظواهر المتواترة في الكتاب والسنة تخالف العقليات القطعية وهي واجبة التحريف (الذي يسمونه تأويلاً) مع قولهم بأقوال عجيبة مجافية للنصوص والفطرة كقولهم (لا داخل العالم ولا خارجه) في رب العالمين = هذه المقالات أثرها في تنفير الأذكياء من التوحيد والعقيدة وأخذ الناس للإلحاد أقوى من أثر انحراف شيخ سياسي لو أنصفنا.
وأن نقول للناس إن الأمة اختلفت في قضايا عظمى وكفّر بعضهم بعضاً وبدّع وبعضهم بعضاً وهذه القضايا غامضة جداً وقد كانوا جميعاً سفهاء في تعظيمهم لهذه المباحث بل هي مباحث هيّنة، هذا أدعى للتأثُّر بالعلمانية ومنهج تكافؤ الأدلة (أي لا أحد يملك الحقيقة) لو أنصفنا وتدبرنا.