تنبيه شيخ الإسلام إلى علاقة مبحث الحقيقة والمجاز بالمثالية أو الإله الأفلاطوني..
تنبيه شيخ الإسلام إلى علاقة مبحث الحقيقة والمجاز بالمثالية أو الإله الأفلاطوني..
مما اعتقده شيعة أفلاطون أن وجود الله عز وجل مطلق بشرط الإطلاق، بمعنى أن له وجودًا ولكن هذا الوجود لا يشترك مع الموجودات الأخرى بأي معنى من المعاني.
فلا سمع ولا بصر ولا أي صفة، كل ذلك ينافي التوحيد عندهم ويلزم منه تعدد الواحد أو تعدد القدماء، وحتى صفة الوجود يزعمون أنها من باب الاشتراك اللفظي فقط لا المعنوي، بمعنى عدم وجود قدر مشترك (وهذه سفسطة فأنت تُقَسِّم فتقول وجود القديم ووجود المخلوق المحدث، والقسمة لا تكون إلا مع اشتراك معنوي).
والأمر الأعمق في نقد هذه الفكرة أنه لا يمكن أن يوجد مطلق من كل قيد إلا في الذهن، وأما في الخارج فلا توجد ذات بلا صفات، وتعدد الصفات لا ينافي وحدانية الذات.
مثل هذه المفاهيم الفلسفية لما دخلت على الأمة جعلت الناس في حيص بيص، ما بين إنسان يريد التسليم للنصوص وإن خالفت فلسفات القوم وما بين إنسان تأثَّر بها بدرجة متقدمة جدًّا وأراد دفع ظواهر النصوص بالتحريف لتُوافِقها وما بين آخر تناقض بين الأول والثاني وأراد التلفيق فخرج بمذهب عجب.
غير أن هذه الفكرة التجريدية، (وجود ذات بلا صفات) أو (مجردة عن الصفات) وهذا ما لا وجود له في الحقيقة وإنما في الذهن فقط، جعلت الكثيرين ممن نشأوا على دراسة المنطق -بشكل مباشر أو بواسطةٍ- تتقبَّل عقولُهم دائمًا وجود مجرَّدات يفرضون وجودَها ويبنون على ذلك أبحاثًا طويلة عريضة، ولكنهم لو نظروا للأمر بحسب الموجود حقيقةً لعلموا أنهم يبحثون في أمر معدوم لا حقيقة له.
ومن هاهنا توقف ابن تيمية عند كلام بعض الناس في موضوع الحقيقة والمجاز ورأى أن مبحث (المطلق بشرط الإطلاق) حاضر فيها تصور بعض الناس لشيء يُفرض بالذهن لا وحقيقة له في الواقع.
أنقل كلام الشيخ ثم أعلق عليه بالشرح:
قال ابن تيمية في كتاب الإيمان الكبير ص301 من طبعة دار العاصمة:
"وأما قول من يقول: إن الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق؛ فمن أفسد الأقوال، فإنه يقال: إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيدا؛ فإنه يسبق إلى الذهن في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع. وأما إذا أطلق؛ فهو لا يستعمل في الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال إطلاق محض حتى يقال: إن الذهن يسبق إليه أم لا. و " أيضا " فأي ذهن فإن العربي الذي يفهم كلام العرب؛ يسبق إلى ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطي الذي صار يستعمل الألفاظ في غير معانيها ومن هنا غلط كثير من الناس؛ فإنهم قد تعودوا ما اعتادوه إما من خطاب عامتهم وإما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ في معنى فإذا سمعوه في القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة. وهذا مما دخل به الغلط على طوائف، بل الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ؛ فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله. لا بما حدث بعد ذلك. وأيضا فقد بينا في غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والحديث إلا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم إلى شيء آخر كما قد بسطنا القول فيه في غير هذا الموضع. فقد تبين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود؛ لا يوجد إلا مقدرا في الأذهان لا موجودا في الكلام المستعمل. كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من جميع القيود لا يوجد إلا مقدرا في الذهن لا يوجد في الخارج شيء موجود خارج عن كل قيد. ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق وأن التصور هو تصور المعنى الساذج الخالي عن كل قيد لا يوجد. وكذلك ما يدعونه من البسائط التي تتركب منها الأنواع وأنها أمور مطلقة عن كل قيد لا توجد. وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتي؛ لا يوجد.
فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغي معرفتها لمن ينظر في هذه العلوم. فإنه بسبب ظن وجودها ضل طوائف في العقليات والسمعيات بل إذا قال العلماء: مطلق ومقيد إنما يعنون به مطلقا عن ذلك القيد ومقيدا بذلك القيد. كما يقولون: الرقبة مطلقة في آية كفارة اليمين ومقيدة في آية القتل. أي مطلقة عن قيد الإيمان وإلا فقد قيل: {فتحرير رقبة} . فقيدت بأنها رقبة واحدة وأنها موجودة وأنها تقبل التحرير. والذين يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة ولا وجود ولا عدم ولا غير ذلك؛ بل هو الحقيقة من حيث هي هي كما يذكره الرازي تلقيا له عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة. وقد بسطنا الكلام في هذا الإطلاق والتقيد والكليات والجزئيات في مواضع غير هذا وبينا من غلط هؤلاء في ذلك ما ليس هذا موضعه. وإنما المقصود هنا " الإطلاق اللفظي " وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد وهذا لا وجود له وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض فتكون تلك قيودا ممتنعة الإطلاق".
=
=
من ضمن اعتراضات الشيخ على تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز أن هذا التقسيم مبني عند عدد من القائلين به على عدم ملاحظة (اعتبار السياق)، وأن اللفظة لا بد أن يوجد معها سياق وقرائن حال تدل على قصد المتكلم، وأن وجود لفظة مطلقة عن كل قيد هذا لا حقيقة له.
فمثلًا قولهم (الأسد حقيقة في الحيوان مجاز في الرجل الشجاع) كلام لا معنى له، لأن كل كلمة تُفهَم بسياقها فتكون حقيقة متبادرة إلى الذهن مع السياق.
فـ(رأيت أسدًا في الغابة يفترس غزالًا) حقيقة في الحيوان و(أبو قتادة الأنصاري أسد من أسد الله) حقيقة في الرجل الشجاع، فالكلام هنا عُرِف بالسياق.
ولهذا تجد الجهمي يتهم السني بالتناقض إذا اعتبر السياق فقال في قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} أن ذلك بالعلم، فما قبل هذه الجملة وما بعدها دال على العلم وكذلك الجمع بينها وبين نصوص الفوقية الحقيقية، وهذا مثل {إنك لا تهدي من أحببت} هنا على هداية التوفيق {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} هنا على هداية الدلالة والإرشاد، فالجمع لا يسمى تأويلًا ولا واحدة حقيقة والثانية مجاز، فهداية الدلالة حقيقة في سياقها وهداية التوفيق حقيقة في سياقها.
ولكنه يحاكمك إلى المفهوم المستقر في ذهنه أن هناك معنى للكلمة حين تُجرَّد من كل إطلاق وعليه فمجرد مراعاة السياق يُعتبر عنده ميلًا للمجاز أو التأويل.
هنا لاحظ ابن تيمية بذكائه الفذ العلاقة بين مفهوم (الكلمة المطلقة عن كل تقييد) ومفهوم (الإله المجرد عن كل صفة)، وأن الذهن لما قبل الثاني صار للأول أقبل، وكلاهما حديث خرافة.
ونظير هذا مبحث (أخبار الآحاد الصحيحة هل تفيد اليقين أم لا) وقول البعض (هي تفيد اليقين إذا اقترنت بها قرائن)، والواقع أنه لا يوجد حديث صحيح في أمر مهم ما اقترنت به قرائن من وجود معناه ولو إجمالًا في نصوص أخرى من الكتاب والسنة ووجود فتاوى للصحابة أو التابعين في تأييد معناه أو قياس أو قواعد شريعة عامة وغيرها.
ولهذا تجد بعض أهل الرأي وأهل الكلام يسخرون من أهل الحديث إذا استدلوا على قبول أخبار الآحاد الذي ينازِع فيه أهل الكلام في بعض المواطن أو خبر الواحد الذي ينازِع فيه أهل الرأي في بعض المواطن بأخبار مروية عن الصحابة في قبولها، فيقولون: كيف تستدلون بالآحاد على الآحاد؟
وقد رد عليهم بعض المتكلمين فضلًا عن أهل الحديث بأن هذه الأخبار عن الصحابة إذا جمعتها تجدها متواترة معنويًّا مع عدم وجود معارض مكافئ، ثم إنها أخبار اقترنت بها قرائن قوية فهي أقوى من الأخبار المتنازع فيها.
وكذلك مفهوم المجتهد المطلق الذي ينظر في الكتاب والسنة مباشرة دون التأثر بأي مدرسة علمية سابقة، هذا مفهوم تجريدي، ومَن نظر في الأئمة المتبوعين لم يجدهم كذلك، وبُني على هذا التصور تعسير الاجتهاد في الأزمنة المتأخرة ولو في نطاق الترجيح بين المذاهب باعتبار الدليل.
وحتى في سياق علاج الوسواس، التجريدية مؤذية، فتجد الموسوس يتقدم ولكنه يتوقف عن العلاج ولا يشعر بإنجازاته لأنه يحاسب نفسه محاسبة الصحيح، والواقع أنه مريض والتقدم الذي يصدر منه يعتبر نجاحًا وإن كان بالنسبة للصحيح يعتبر تراجعًا.
وحتى في سياق معرفة (قيمة العلماء) أو الاستفادة منهم، التجريدية مؤذية، فتجد كثيرين إذا قالوا (علماء الأمة) يجعلون العالم صاحب الدور التأسيسي مثل مقلدِ هذا العالم في الفقه، كلهم علماء لأن عندهم مؤلفات، ثم وفقًا لهذا الاعتبار يخرج لك بإحصائيات خيالية عن كون غالب علماء الأمة على المذهب الفلاني أو العلاني.
بعضهم يُجرِّد مفهوم (الاستفادة) فيخلط بين الاستفادة من راوٍ في روايته الأمر الذي يُشترط فيه عدالته وصدقه (وإن كنا قد نقبل رواية من ليس كذلك إن اقترنت قرائن تدل على الصدق) وبين الاستفادة من كل لغوي أو فقيه فاسد العقيدة أو قائل ببدع مكفرة ولكنه ضمن سياق الفقه حيث لم يُقبل كلامه إلا لما انتسب لإمام معتبر من أهل الحديث ونصر أقواله، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل رقى الناس في الجاهلية ما لم تكن شركًا وعائشة رقتها يهودية، فهنا انتفعوا بأمر كان عند كفار ولكن لما كان منضبطًا بضابط عدم مخالفة الشرع والقطعي، فما بالك بالكلام في الشرع وفقًا لأصول أهل العلم.
جدلية الأسلوب والدائرة المفرغة..
إن تكلمت في قضية علمية فجاءك إنسان يحدثك عن الأسلوب ويذكر أن أسلوبك في العرض لا ينبغي..
فاسأله: هل أنت معي في أصل المسألة وإنما تنقم علي الأسلوب فقط أم أنت تخالفني؟
فإن قال: بل أوافقك.
فقل له: فهلّا دعوت للحق بأسلوب حسن حتى أقتدي بك، فلعلك إن وُضِعت فيما أنا موضوع فيه لا تكون خيرًا مني.
وقد قال معاوية للمسور بن مخرمة: لا أبرأ من الذنوب، فهل لك ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟، قال: قلت: نعم، قال: "فما يجعلك أحق بأن ترجو المغفرة مني، فوالله لمَا ألي من الإصلاح بين الناس، وإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، والأمور العظام التي تحصيها أكثر مما تلي".
وإن كنت تعظني بأمر الأسلوب فأنا أعظك بالسكوت عن بيان الحق مع المقدرة وغربة أهل الحق. ودعواتك لي أن يفتح على قلبي، وقد وليت من أمر الحق ما لم تَلِ وأرجو أن يغفر الله ذنبي وذنبك.
وإن كان ممن يُبيِّن الحق مع موافقته لك فهذا له حق في الكلام، ثم يكون هناك معيار التأثير فقد تكون مؤثرًا أكثر منه وهو يخاطبك بأمر الأسلوب والتنفير مما يدل على عدم دقة ملاحظته.
فإن قال: بل أنا مخالف لك.
فقل له: ما أنصفتني والحال هذه، فينبغي عليك نصحي في أصل المسألة، فالأسلوب مجرد فرع، وإذا ذهب الأصل ذهب الفرع تبعًا.
ولعل حديثك عن الأسلوب فرع عن مخالفتك، فلو أنني نصرت أمرًا هو محل وفاق بيني وبينك ما استثقلتَ أسلوبي ولو تكلمت بالأسلوب نفسه.
وربما الأمر مجرد حيلة تُبرِّر بها عجزك عن الرد على كلامي، فتُظهِر غيظك بالحديث عن الأسلوب أو لوازم القول دون الرد على البنية العلمية للقول.
بعد هذا الاستعراض أقول: أنا لا أنكر أبدًا وجود أسلوب منفر في عرض الحق، غير أن الأمر كثيرًا ما يكون ذوقيًّا محضًا أو محض وسواس يؤدِّي إلى التثبيط.
وكثير من الناس يتحدث عن ضوابط الأمور المستثقلة مثل التكفير أو التبديع أو حتى الرد على المخالف، ثم لا تجد عنده ممارسة تُبيِّن لنا التطبيق المنضبط لما يدعو له، فينتهي الأمر إلى غلق الباب بالكلية.
فقديمًا كان هناك أئمة جرح وتعديل يمارسون التعديل والثناء ويمارسون الجرح أيضًا، فالرجل من هؤلاء له الحق في ذم الإسراف بالجرح لأن عنده ممارسات منضبطة للأمر.
لا أن يوجد شخص لا يرى هذه الممارسات من أصلها ولا يمارسها ثم يُقيِّم أفرادها فغالبًا ما يكون طرحه حالمًا غير ممكن التطبيق، وذلك يخدم الباطل أكثر مما يخدم الحق.