كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

صلح الحديبية ومراعاة الضعف الطبعي دون تنازل

المصدر
صلح الحديبية ومراعاة الضعف الطبعي دون تنازل عامة المسلمين يعرفون قصة صلح الحديبية وقد كرست كثيرا في السنوات الأخيرة في مناسبات عديدة عادة ما تكون سياسية غير أنني أود تسليط الضوء على نقطة رأيتها مهملة عند عامة من اطلعت على كلامهم في هذا الأمر. وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين عاهد المشركين على أنهم يعيد إليهم من جاءه مؤمنا استثنى النساء وجعلهن غير داخلات في عموم العهد في حادثة معروفة. وذلك حكمته بينة وهي أن المرأة فيها ضعف طبعي واحتمال فتنتها عن دينها في مجتمع شركي أعظم بسبب هذا الضعف مع كونها قد تجبر على نكاح من لا يحل لها فحتى مع صلح الحديبية الذي كان فيه من مراعاة المصلحة ما فيه بقي فقه سد الذريعة فعالا في حق النساء. ومع مراعاة هذا الضعف الطبعي نزلت آيات الامتحان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. والامتحان كان للتأكد أنهن ما هاجرن لأسباب دنيوية بل ما أخرجهن إلا الإيمان بالله ورسوله. وهنا تنبيه إلى أن هذا (الكائن الضعيف جسديا) والذي يتعاطف معه لهذا الداعي ويشتد على النفس ظلمه وقهره أشد من غيره للداعي نفسه قد يستغل هذا التعاطف لهوى نفسه وشهواته ويستفيد في ذلك من صراع المتصارعين عقائديا لتحقيق هذه الأغراض، فلا ينبغي أن يخرجنا هذا التعاطف إلى تناسي مركزية العقيدة في الأمر. ورد عن بعض السلف أن الامتحان كان هكذا: كان يمتحنهنّ بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله. وهذا الضعف الطبعي كان من رحمة الله بهن أن يصاحبه إضعاف طبعي أيضا بمعنى أن الرجل يضعف لشهوته في الغالب عن الإفراط في أذيتها وإن أغضبته (وهذا من أسباب أن في الديار التي رخصت فيها النساء جدا كثر قتلهن مع ما في حياتهم من بلاء الإباحية مما سهل حصول الخيانة وكثرتها حتى صار يوسوس بها من لم تقع في حقه فحصل بلاء عظيم لذلك). غير أن هذه الشهوة إذا وضعت في غير موضعها آذت وقد أشير إلى هذا (الإضعاف) في النصوص: قال ابن أبي حاتم في تفسيره 5177 - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] قال: في أمر النساء، قال وكيع: يذهب عقله عندهن. وهذا (الضعف) و(الإضعاف) قد شاهده حتى الشعراء فقال جرير: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركاناً وهذا معنى سيار في كلام الشعراء. والمراد مما سبق كله: أن الفقيه حقا من يراعي هذا (الضعف) و(الإضعاف) في الفتوى إذا تعلق الأمر بقضايا النساء، وأن الله عز وجل أودع فينا وفيهن شيئاً لدوام النسل ودوام العشرة، غير أن هذا الشيء إذا وضع في غير موضعه الذي أراد الله أحدث شراً عظيماً، ولا تفكروا بعقلية الرأسمالي الذي لا يهمه أعراض ولا أخلاق، وإنما يهمه المال وتجنيد أكبر عدد ممكن من البشر في مؤسساته والسيطرة على حياتهم وجعلهم آلات تنتج له المال بشكل مباشر، وهذا باسم تحقيق الذات! ثم تعود عليه بالمال الذي كسبته منه تحت بند الهوس الاستهلاكي، الذي لا يفرق بين الضروريات والتحسينات فضلاً عن الحاجات.