كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تنبيه أرجو التركيز فيه...

المصدر
تنبيه أرجو التركيز فيه... النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية المنتشرة اليوم تستبطن أهدافًا ووعودًا في الغالب متعلقة بهذه الحياة الدنيا ووفقًا لمنظومة مصالح لا تعتبر العلاقة مع الله والعبودية له إلا شأنًا شخصيًّا وليست قيمة متسامية خُلقت من أجلها الخليقة. كثير من الطارحين للشبهات حول الدين وكثير من المدافعين عن الدين يحاسبون الدين وفقًا لمنظومة الأهداف هذه! أي أنهم يعاملون الدين على أنه مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي معيار نجاحه وفشله كأي مشروع آخر بخلفية عالمانية. وكثير من أهل الدين يظنون أن الأمر إما أن يكون كذلك أو هو فردانية أو رهبانية أو دروشة. والواقع أن الأمر أوسع من هاتين النظرتين الضيقتين، فحقًّا الدين فيه نصوص وقواعد تتعلق بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والسوية النفسية ولكن باعتبار كل ذلك وسيلة لا غاية. فالغاية تحقيق العبودية لله عز وجل من خلال هذه الأمور ومساعدتها في الترقي في العبوديات المحضة. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر". ولهذا فالترجيح بين المصالح والمفاسد في هذا السياق يختلف تمامًا عن السياقات الأخرى. فمثلًا الحرب التي يترتب عليها مصلحة دينية تتعلق بتحقيق العبودية أولى من السلام، والسلام أولى من حرب جاهلية، والسلام مع تحقيق المصالح الدينية تامةً أولى إن أمكن. البعض قد يغريهم أكثر التبشير بالدِّين على أنه محقق للمصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحقًّا فضل الدين على المشاريع الموجودة ظاهر لمن بحث بصورة عميقة. فإن المشاريع المطروحة على الساحة: إما مثالية طوباوية محلقة، وهذه يطرحها صنفان: صنف مخادع يريد تخدير الناس فيعيشون الأوهام، فيكلمهم عن الحرية والمساواة ونصرة الشواذ والنساء ونحوها ويلفتهم عن التوحش الرأسمالي، فلا توجد مساواة حقيقية وإنما ينتفع من الأمر الأغنياء. وصنف آخر مخدوع بهذه الأمور، ودائمًا يبوءون بخيبة الأمل ويدمِّرون المتاح في طلب السراب والوهم. وإما مشاريع نفعية لا تمُتُّ للأخلاق بأي صلة بل ترى الأخلاق سذاجة، وهي المشاريع الحقيقية للصنف الأول من دعاة المشاريع الطوباوية. والدين فيه أخلاقية دون طوباوية، وفيه مصلحية دون نفعية مطلقة، ومع ذلك هو لا يبشِّر بِمَا تبشر به المشاريع الأخرى، بل الاستقامة والسلامة إرادة في الفرد "لمن شاء منكم أن يستقيم" "لست عليهم بمصيطر"، ولا ينفي ذلك عقوبة مستحِق العقوبة، ولكنه يدل على أن الإصلاح ليس إجبارًا مطلقًا بل فيه مدخل لإرادة الإنسان، كما أنه ليس خيارًا مطلقًا بل هناك نظام وأمر بمعروف ونهي عن المنكر. ومع ذلك كله فهذا الباب كله وسيلة لمعرفة الله ومشاهدة آثار أسمائه وصفاته والترقي في مقامات العبودية لله عز وجل، وما سوى ذلك حبس للدين في سجن ضيق. وهذه المشاريع عامتها تسيطر على عقول الكثير من الناس ويقرأون الدين والتاريخ من خلالها وينفرون مما ليس محل نفرة ويتقبلون ما ليس محل قبول تحت سلطان هذه المشاريع على الأذهان، وما أكثرَ الحركات التي تقرأ الدين من خلال هذه المشاريع بصورة تلفيقية مثيرة للشفقة، تجدهم يحاربون الصورة الراديكالية من هذه المشاريع العالمانية ويقبلون الصورة المتوسطة.