كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

صاحب الذكر المرفوع...

المصدر
صاحب الذكر المرفوع... كنت قد كتبت قديمًا ما يلي: كل العظماء الذين مروا على التاريخ من ملوك وفلاسفة وعلماء وشعراء يكون همُّ الرجل منهم كيف يخلد اسمه أطول وقت ممكن، ولكن عامتهم يقلُّ ذكرهم مع مرور الوقت، فإما ينقرض أو يزاحمه ذكر العظماء الآخرين وإما يصير محصورًا في طبقة معينة، إلا رجلًا واحدًا وهو النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تعهَّد له الله بقوله "ورفعنا لك ذكرك"، منذ فرض الأذان إلى يومنا هذا يدوي اسمه في الأفق، أشهد أن محمدًا رسول الله، بأعظم شرف يُشهد به لبشرٍ، فملايين المؤذنين يوميًّا منذ قرون يدوون بها، هذا مع صلاة المصلين عليه في الصلاة، ولا نظير لمثل هذا ولا قريب منه في التاريخ، فتأمَّل هذه الآية. والآن أزيد: إن مِن رَفْع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خُدمت سنن رجل وشمائله ما خدمت سنن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تجلَّت هذه الآية في أهل الحديث فنقَّحوا الأقوال المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تنقيحًا عظيمًا، فمئات الكتب في العلل والجرح والتعديل والاتصال والانقطاع لتمييز الصحيح من السقيم. عشرات الأئمة من مختلف البلدان قضوا حياتهم في الرحلة وتنقيح السنن والحكم على آلاف الرواة الذين رووا الأحاديث، فكان القاضي الجليل كأبي شيبة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يُضعِّفون حديثه لأنهم علموا أنه لا يضبط، وكان القارئ الشهير حفص بِن سليمان على جلالته وضبطه في القراءة يُضعِّفونه في الحديث، وكذلك المفسر الشهير كعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذلك يُضعِّفون العابد والواعظ الشهير كصالح المري ويزيد الرقاشي، وكذلك يُضعِّفون الرجل المشهور بالحمية على السنة كنعيم بن حمّاد (وإن لم يكن محل اتفاق بينهم)، والمفضل بن فضالة ونوح الجامع. وكان الرجل منهم يُضعِّف أباه كما فعل ابن المديني، أو يسكت على استضعاف الناس لأبيه كما فعل وكيع، أو يُكذِّب أخاه كما فعل زيد بن أبي أنيسة، كل ذلك حمية لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان هذا حالهم مع المشاهير بالفضل والأقارب، لا يقبل الوضع عندهم المجاملة، فما بالك بحالهم مع من هم دونهم، هذا مع توثيقهم لبعض من رُموا ببدع غير مكفرة لمَّا تأكدوا من صدقهم. ولم يقف الأمر على التنقيح، بل لهم جهود عظيمة في الجمع والترتيب، فكتبوا الجوامع والسنن والمسانيد والأجزاء والموطآت وكتب التفسير وغيرها. بل يزيد عجبك إذا علمت أن كل معاجم اللغة التي تراها اليوم الفضل فيها لأهل الحديث، لأنهم أول من اعتنى بشرح الألفاظ الغريبة وترتيب ذلك معجميًّا، من باب خدمتهم للحديث النبوي، فهناك كتاب الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام وكتاب الغريب لابن قتيبة وكتاب الغريب لإبراهيم الحربي وهناك غيرها. بل إذا قرأت عناوين مثل "تاريخ بغداد" و "تاريخ دمشق" و "تاريخ داريا" و "تاريخ واسط" و "تاريخ جرجان" و "المعرفة والتاريخ" و "تاريخ خليفة بن خياط" و "تاريخ حلب" ستظنها كُتب تاريخ بالمعنى المعروف عندنا، والواقع أنها كتب في تراجم رواة الحديث في المقام الأول، وما سوى ذلك تبع، لذا هي مرتَّبة على طريقة كتب الجرح والتعديل ولا يخلو كتاب منها من أقوال أئمة الجرح والتعديل. وهذا شيء يسير جدًّا من واقع الأمر وإلا فهو أعظم مما أصف لك في هذه السطور، وهذا من كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على رب العالمين ومما شرَّفه به سبحانه. وإن قلبي ليأخذه الأسى كل مأخذ إذا رأيت بعض أبناء الأمة يُعجَب بمشهور في أي مجال حتى يقلِّده في كل شيء، وأقول في نفسي ألم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم! أليس هو أولى بهذا أم السخرية ممن يتبع سنته! والله المستعان. واعلم أن من تمام بغضك للرسوم المسيئة أن تُعظِّم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتحرص على التشبه به على جميع الأصعدة، فإن لم تفعل فأثنِ على من يفعل ذلك وأَظهِر الاغتباط به.