هل اختلفت الرواية عن الإمام مالك في القائل بخلق القرآن؟
هل اختلفت الرواية عن الإمام مالك في القائل بخلق القرآن؟
جاء في التبصرة للخمي: «وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول القرآن مخلوق: هو كافر فاقتلوه"».
واعتمد هذه الرواية عامة المالكية، وقال رحمه الله: "من قال: القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه"، رواه ابن أبي حاتم -كما في "السنة" للالكائي رقم (495) - بسند صالح _ كذا قال الجديع في العقيدة السلفية _ من طريق ابن أبي حاتم عن أبيه حدثني ميمون بن يحيى البكري عن مالك به وأبو حاتم قال عن شيخه ميمون ( شيخ ) وأبو حاتم لا يروي إلا عن معتمد عنده خصوصاً في أمر عقدي.
وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن يحيى بن خلف بن الربيع الطرسوسي، - وكان من ثقات المسلمين وعبادهم، قال: كنت عند مالك بن أنس ودخل عليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق، فقال مالك: زنديق اقتلوه، فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلاما سمعته فقال: لم أسمعه من أحد إنما سمعته منك وعظم هذا القول.
وإسناد هذه الرواية صالح ويحيى بن خلف وصف بأنه من ثقات المسلمين وعبادهم وروايته اعتمدها حرب الكرماني واللالكائي والآجري وغيرهم واعتمده المالكية فالرواية أعلاه هي روايته، وتكلم فيه الذهبي في روايته للمرفوعات استنكاراً لحديث رواه عن مالك وقد يكون الحمل على الراوي عنه أبو أمية الطرسوسي فهو صاحب أوهام وعلى كل هذه الرواية لها شواهد كثيرة.
وقال عياض في ترتيب المدارك:"وفي رواية بشر بن بكر التنيسي _ يعني عن مالك في الذي يقول بخلق القرآن _ يقتل ولا تقبل توبته".
وهذا يعضد الروايات السابقة خصوصاً رواية الزندقة لأن مالكاً في الزنديق لا يقبل التوبة بخلاف المرتد المصرح بالانتماء لملة أخرى.
وروى البيهقي في الأسماء والصفات بسنده عن سويد بن سعيد , يقول: سمعت مالك بن أنس , وحماد بن زيد , وسفيان بن عيينة , والفضيل بن عياض , وشريك بن عبد الله , ويحيى بن سليم , ومسلم بن خالد , وهشام بن سليمان المخزومي , وجرير بن عبد الحميد , وعلي بن مسهر , وعبدة , وعبد الله بن إدريس , وحفص بن غياث , ووكيعا , ومحمد بن فضيل , وعبد الرحيم بن سليمان , وعبد العزيز بن أبي حازم , والدراوردي , وإسماعيل بن جعفر , وحاتم بن إسماعيل , وعبد الله بن يزيد المقرئ , وجميع من حملت عنهم العلم , يقولون: الإيمان قول وعمل , ويزيد وينقص , والقرآن كلام الله تعالى , وصفة ذاته غير مخلوق , من قال: إنه مخلوق , فهو كافر بالله العظيم.وإسناده صحيح
وقال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة :" وذكره عبد الرحمن _ يعني ابن أبي حاتم في كتابه الرد على الجهمية _ قال: ثنا محمد بن أحمد البغدادي قال: حدثنا يعقوب بن دينار , عن عبد الله بن نافع الصايغ قال: قلت لمالك بن أنس: إن قوما بالعراق يقولون: القرآن مخلوق. فنتر يده عن يدي فلم يكلمني الظهر ولا العصر ولا المغرب , فلما كان العشاء الآخرة قال لي [ص:347]: يا عبد الله بن نافع من أين لك هذا الكلام؟ ألقيت في قلبي شيئا هو الكفر , صاحب هذا الكلام يقتل ولا يستتاب".
وهذه الرواية في معنى الروايات السابقة ولو افترض ضعف كل واحدة منها على حدة فإنها بمجموعها تتقوى خصوصاً وأن بقية علماء السلف على التكفير وإطلاق الأحكام بالقتل وغيره
وقد يسأل سائل: ما سبب التشديد في هذه المسألة؟
الجواب: أن القول بخلق القرآن مبني على إنكار صفة الكلام لله عز وجل وإنكار الكلام مبني على نفي الأفعال الاختيارية لله عز وجل وهذا كله كفر عظيم وهو مفتاح كلام الزنادقة في كل بلاء
ولا ينكر الأشاعرة قول السلف بإنكار القول بخلق القرآن ولكنهم يحملونه على إنكار قول المعتزلة دون قولهم علماً أن مؤدى القولين واحد ومقدمتهما واحدة وهو إنكار الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ومع كل هذه الروايات عن مالك تمسك بعض الناس برواية عن عبد الله بن نافع الصائغ عن مالك للقول بأن الإمام لا يكفر القائل بخلق القرآن.
هذه الرواية ذكرها القاضي عياض في ترتيب المدارك: قال ابن أبي أويس قال مالك القرآن كلام الله وكلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق.
زاد غيره عنه، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر، والذي يقف أشد منه يستتاب وإلا ضربت عنقه.
وفي رواية ابن نافع عنه يجلد ويحبس من قال ذلك.
فقالوا بما أن الإمام قال يجلد ويحبس إذن هو لا يكفر؛ غير أنك لو رجعت إلى الروايات القديمة عن عبد الله بن نافع لوجدت زيادة تفيد موافقة هذه الرواية للروايات الأخرى
قال عبد الله بن أحمد في السنة 11 - حدثني أبي رحمه الله قال: حدثنا سريج بن النعمان، أخبرني عبد الله بن نافع، قال: كان مالك بن أنس رحمه الله يقول: «من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يموت»
قوله ( حتى يموت ) يوافق في المعنى الروايات الأخرى الذاكرة لإقامة حد الردة عليهم وهذا مثل قول عمر في المرتد أنه يحبس لا ينافي قتله ردة ولكنه يحكي الإجراء الذي قبله وفي بعض الكتب الرواية (حتى يتوب) ولكن الأكثر ( حتى يموت ) وهو الأنسب.
=
=
وعبد الله بن نافع صاحب مالك وهو مختص به غير أنه صاحب أوهام وأوهامه لا تسقط روايته بالكلية فيما يروي عن مالك فقد كان يحفظ مسائله غير أنه عند وجود روايات أخرى يبدو منها مبدأياً مخالفة روايته فإنه ينبغي حمل روايته على الإجمال والأخرى على التفصيل وهذا أولى من ادعاء التعارض أو التعدد فإنه مع التعارض تكون الغلبة لرواية الأكثر فهم أولى بالحفظ خصوصاً وأنه هو نفسه روى أيضاً رواية فيها ذكر القتل كرواية الجماعة.
ويبعد حمل رواية ابن نافع على العذر بالجهل لبعض الأعيان لأن السؤال كان عن حال عامة وليس عن معين يحتمل ويحتمل وهنا تنبيهات مهمة:
التنبيه الأول: لا يختلف أهل السنة أن إنكار العلو أشد من القول بخلق القرآن وعامة آثار السلف في ذم الجهمية لا تشترط في تكفيرهم أكثر من كونهم يقولون بخلق القرآن فلا يشترطون نفي الأسماء أو القول بخلقها أو إنكار آية معينة أو حديث معين أو إنكار كل الصفات، وعليه فكل ما يقال في القائل بخلق القرآن يقال في منكر العلو من باب أولى.
التنبيه الثاني: آثار السلف في القائلين بخلق القرآن الأصل فيها أنها تتناول الأعيان بدليل ذكر عدم الصلاة عليهم أو خلفهم أو قتلهم أو عدم مناكحتهم أو عدم توريثهم وغيرها.
وليس (كل الجهمية) الذين تناولتهم هذه الآثار قائلين بإنكار العلو بدليل تعليق الحكم عليهم بمسألة خلق القرآن. ولا كلهم من العلماء
وعليه فالكلام على العالم الجهمي الذي وصل إلى إنكار العلو هو كلام على أشد الجهمية تجهما وأبعدهم عن العذر.
فعامة كلام العلماء في العذر -إن كان له مجال–غالباً ما يعلقونه على كون المرء حديث عهد بإسلام أو كونه عامياً أو كونه لم تبلغه الأدلة الشرعية؛فمن كان ناشئاً في الإسلام ولا يقع عليه اسم العامي والمسألة التي خالف فيها أدلتها الشرعية ظاهرة ولا تخفى على مثله فهذا استبعاد عذره جار على الأصول ولا علاقة له بقول المعتزلة القائلين بكفاية العقل فحسب لإقامة الحجة فنحن هنا ذكرنا أوصافاً زائدة لانطباق الحكم من نشأته في الإسلام وكثرة أدلة المسألة الشرعية والفطرية واتصاف المتلبس بالعلم أو بعده عن كونه عامياً.
زيادة على أن المقالة المذمومة لا يفهمها العوام أصالة كقولهم (الله لا داخل العالم ولا خارجه) فهذا كقول الفلاسفة في علم الله وقولهم في حشر الأبدان لا يقول به إلا الخواص من أهل الضلال.
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (6/105): "وقوله -يعني ابن سينا-: (ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم) .
فيقال له: هذا يدل على تمكنها في الفطرة، وثبوتها في الجبلة.
وأنها مغروزة في النفوس، فمن دفع ذلك عن نفسه لم يقاوم نفسه، ولم يمكنه دفعها عن نفسه.
وهذا حد العلم الضروري، وهو الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه معه دفعه عن نفسه، فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه، ولا يقاوم نفسه في دفعها، تبين أنها ضرورية، وأن هؤلاء الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتغيير خلقه، كأمثالهم من الجاحدين المكذبين بالحق، الذين يكذبون بالحق المعلوم بالبهتان والسفسطة، وأن قدحهم في هذا كقدح أمثالهم من السوفسطائية في أمثال هذه.
وأما قوله: (لشدة استيلاء الوهم) .
فقد قلنا غير مرة: إن الوهم قد فسروه بالقوة التي تتصور معاني جزئية في محسوسات جزئية، وهذا الوهم إنما تصرفه في الجزئيات من المعاني، وأما هذه القضايا فهي قضايا كلية، فهي من حكم العقل الصريح، فالمخالف لها مخالف لصريح العقل، وهو المتبع لقضايا الوهم الفاسد، فإنه يثبت موجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق، أو موجوداً لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا الموجود لا يثبته في الخارج إلا الوهم والخيال الفاسد، لا يثبته لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل ولا وهم مطابق، ولا خيال مستقيم، كما لا يثبته حس سليم".
ابن سينا كان يتكلم عن مسألة أن الله تقول به الحوادث أو أنه يفعل ما شاء متى شاء فقال أن هذا الوهم مستولي على العباد ويصعب عليهم دفعه عن أنفسهم (مع أن الفلاسفة تنفيه ) فقال الشيخ معلقاً عليه أن هذا برهان كون هذا الأمر مغروساً في الفطرة وأنه يعسر دفعه جداً وضرب مثالاً بمسألة إنكار العلو وأن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
فقضية هي أظهر من قضية أطلق السلف تكفير القائل بها وعدم الصلاة خلفه وقتله ، وهذه القضية مغروسة في الفطرة واتفق أهل السنة على أن المخالف فيها كلامه كفر هل يكون الحكم على العالم المعين الواقع فيها بالإدانة غلواً ؟ أم أن اعتبار هذا من الغلو هو افراط في التساهل وإحسان الظن بالمخلوق إذ يحقق عذر المخالف في مسألة ضرورية على جهة الإلزام للخصوم وإن كان موصوفاً بالعلم ثم هذا المخالف ليس شخصاً ولا شخصين بل عدد كبير اختلفت أزمانهم وأقطارهم.