كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الدارمية أو الخزيمية.. الفرقة التي سقطت من كتب الفرق

المصدر
الدارمية أو الخزيمية.. الفرقة التي سقطت من كتب الفرق يعمد الأشعرية المعاصرون إلى سب بعض أئمة السلف الذين اشتهر عنهم الإثبات وهؤلاء الأئمة يكونون قد ماتوا قبل زمن ابن تيمية وبعضهم سبق الأشعري زمانًا. وهم دائمًا يتحدثون عن الإسناد ويفخرون به ثم يثبتون لخصومهم سلفًا من مشاهير الحفاظ، وهذا الحافظ المتفق على تصديق روايته ينقل مذاهبه عن السلف! فتجد مقطعًا لسعيد فودة يتكلم عن تدليس عبد الله ابن الإمام أحمد ومقطعًا لعبد القادر حسين يتكلم عن عثمان بن سعيد الدارمي سلف الوهابية المجسمة المتوفى عام 280 (أي أنه حين مات كان الأشعري شابا عمره عشرين عامًا) وتجد مقطعًا لمولود سريري يخرج فيه عن قشوره ويطلق لسانه في ابن خزيمة ويصف الدارمي بالسفه. والسؤال هنا: إذا كان الدارمي وابن خزيمة مجسمة أو مشبهة وجاءوا بأمر عظيم والكتب التي لهم أثبتها كل الناس فلماذا لم تُنسب لهم فرقة أو يُذكروا بسوء ما داموا قد جاءوا بشيء عظيم لا يختلف عن ضلالة المعتزلة أو المشبهة؟ قال ابن حبان في الثقات: "14404 - عثمان بن سعيد الدارمي أبو سعيد السجستاني سكن هراة أحد أئمة الدنيا يروي عن أبي الوليد وأهل العراق حدثنا عنه ابنه محمد بن عثمان بن سعيد مات سنة إحدى وثمانين ومائتين أو ثمانين ومائتين". وقال الخليلي في الإرشاد: "أبو عمرو عثمان بن سعيد الدارمي كبير المحل، عالم بهذا الشأن، يقارن بالبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، سمع بالعراق القعنبي، وأبا الوليد، وأبا نعيم، وأحمد بن يونس، ومن بعدهم، وأخذ علم الحديث عن علي بن المديني، ويحيى بن معين، والبعض عن أحمد بن حنبل، وله عنهم تاريخ ينفرد به، وصنف لنفسه تاريخا، وسمع بمصر كاتب الليث، ويحيى بن بكير، وأقرانهما، وبالشام هشام بن عمار، ودحيما، ومن في عصرهم، سمع منه حفاظ خراسان: ابن خزيمة، والشرقي، وأبو علي الطوسي، ثم من بعدهم، وآخر من روى عنه أحمد بن محمد بن عثمان العنزي النيسابوري، حدثنا الحاكم عنه عن عثمان، عن علي بن المديني، تاريخا له، وسمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: كان عثمان بن سعيد ثقة، متفقا عليه". هذا الرجل في زمانه وبين أهل الحديث أشهر من ابن كرام وابن كلاب والأشعري، فإن كان جاء بشيء لا يمثل عقيدة أهل الحديث فكان لا بد أن يوجد عليه مُنكِر، بل كان ينبغي أن تكون له فرقة تسمى (الدارمية) أو أخرى تسمى (الخزيمية) نسبةً لابن خزيمة، وقد أنكر الناس على أجلة في مسائل اشتبهت حين أنكروا على البخاري، وفي ميزان الأشعرية ما جاء به الدارمي أشد. فلا جواب لهذا سوى أنه كان ينقل عقيدة أهل الحديث المتداولة بينهم وما جاء بجديد، وهذا ما تدل عليه المصنفات الأخرى. قال ابن حجي [ت 816] في تاريخه: "ويومئذ قعد جمال الدين بن الشرائحي المحدث بالجامع ويقرأ عليه إبراهيم الملكاوي في كتاب [الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي]، باستدعاء إبراهيم منه ذلك، ويقرأه على وجه الرواية وصار يجمع الناس على سماعه. فحضر عنده عمر الكفيري فأنكر عليهم ذلك وبالغ في التشنيع وأخذ الكتاب وذهب إلى المالكي فطلب إبراهيم وأغلظ له، ثم أُعيد الطلب من الغد يوم الخميس فطلب ابن الشرائحي وبالغ في أذاه، ثم أمر به إلى السجن وطلب إبراهيم فتغيب وأخذت نسخة ابن الشرائحي فقطعت. ثم قبض على الملكاوي آخر نهار الجمعة وأُحضر عند المالكي فسأل عن عقيدته فقال: الإيمان بما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانزعج (القاضي) لذلك..! وأمر بتعزيره وضربه أسواطًا والنداء عليه ثم أطلقه. فلما كان يوم الجمعة سابع عشريه تطلبه مرة أخرى فظفر به، وكأنه بلغه عنه كلام أغضبه فضربه ضربًا مبرحًا ونادى عليه، وأراد أن يطوف به على حمار وبالغ في أذاه وحكم بسجنه شهرًا". انتهى فالقوم منذ زمن يشتكون من كتب الدارمي، ومَن وصفه بالسفه هو أولى بهذا الوصف. وقد أورد الجهمية شبهة تشبه شبهة الملاحدة على علو الله على خلقه فقالوا كيف يكون الله على العرش وهو أكبر من العرش! فقال الدارمي ردًّا على هذا أن رب العالمين قدير على هذا وأن الملائكة تحمل العرش بإعانة الله عز وجل بقدرته ولو شاء الله لكان على بعوضة وليس العرش العظيم. فاسثقل الجهلة كلامه ورب العالمين يقول في القرآن: {إِنَّ الله لا يَستَحيِي أَن يَضربَ مَثلًا ما بعوضةً فَما فوقَها} وتتمة الآيات تصف حال الجهمية ومَن قلدهم. وهو يقول: (لو كان) وقد قال تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد}. وقد قال الفاكهاني الأشعري في شرحه لعمدة الأحكام: "وما أعتقد حنبليًّا يسلم من الحشو غير الإمام أحمد رحمه الله". وهذا كلام ينسف المذهبية المتأخرة، فهم يقولون: المتأخرون أعلم بكلام المتقدمين والمتقدمون أعلم بكلام إمامهم، فكيف لا يكون الحنابلة عالمين بكلام إمامهم ويسيرون على غير عقيدته عن بكرة أبيهم، وقد روي عنه بأسانيد صحيحة متواترة في ذم اللفظية وإثبات الحرف والصوت، وهذا يقتضي ضرورة ذم الأشعرية لمناقضة هذا لمذهبهم، لهذا تكلم الفاكهاني بما تكلم فيه.