ما أنعزل حتى يتحقق علي الفسق
ما أنعزل حتى يتحقق علي الفسق
قال ابن كثير في طبقات الشافعيين: "محمد بن محمد بن المظفر بن بكران بن عبد الصمد قاضي القضاة أبو بكر الشامي الحموي، ولد بها سنة أربع مائة، ورحل إلى بغداد شابا سنة نيف وعشرين وأربع مائة، فسمع بها الحديث من عثمان بن ذؤيب العلاف والجوهري، وروى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب بن الأنماطي ببغداد، والحسين بن نصر بن خميس بالموصل، وغيرهم وأبي القاسم بن بشران، وأبي طالب بن غيلان، وأبي محمد الخلال، وأبي الحسن العتيقي وجماعة، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وبرع في المذهب حتى صار علامة فيه، وذكر غير واحد أنه كان يحفظ تعليقة القاضي أبي الطيب حتى كأنها بين عينيه، قال السمعاني: هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي، وله اطلاع على أسرار الفقه، وكان ورعًا زاهدًا متقنًا
جرت أحكامه على السداد، وذكر غير واحد أنه لما شغر منصب القضاء ببغداد بموت أبي عبد الله الدامغاني الحنفي رحمه الله سنة ثمان وسبعين وأربع مائة، طلب من صاحبنا هذا أن يتولى المنصب فامتنع، فألحوا عليه، فاشترط عليهم ألا يأخذ عليه معلومًا، وألا يقبل من أحد شفاعة، وألا يغير ملبسه، فأجابوه إلى ذلك، وكان يقول: ما دخلت في القضاء إلا وقد وجب علي، فباشر الحكم مباشرة جيدة عفيفة بصيانة وديانة ووفاء، وكان ينكر عليه تعبيسه في مجلس الحكم، وبعضهم يعد ذلك من محاسنه بحيث قيل: إنه لم يبتسم قط في المجلس، وقال السمعاني: سمعت الفقيه أحمد بن عبد الله بن الأبنوسي، يقول: جاء أمير إلى قاضي القضاة الشامي فادعى شيئًا، وقال: بينتي فلان والمشطب الفرغاني الفقيه، فقال: لا أقبل شهادة المشطب لأنه يلبس الحرير، فقال: السلطان ملكشاه ووزير نظام الملك يلبسانه، فقال: وإن شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضًا، وذكر السمعاني أن أمير المؤمنين المقتدي بالله تغير عليه ومنع الشهود من حضور مجلسه مدة، فكان يقول: ما أنعزل ما لم يتحققوا على الفسق، ثم إن الخليفة خلع عليه واستقام أمره، وذكر ابن النجار أنه كان يسوي بين الشريف والوضيع في الحكم، ويقيم جاه الشرع، فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه، فألصقوا به ما كان مدبرا من أحاديث ملفقة، ومعايب مزورة قال: وصنف كتاب البيان عن أصول الدين، وكان على طريقة السلف ورعًا نزهًا، وقال أبو علي بن سكرة: وكان ورعًا زاهدًا وإمامًا في العلم، فكان يقال: لو رفع مذهب الشافعي لأمكنه أن يمليه من صدره".
أقول تأمل حال هذا القاضي العادل وصلابته في الحق، وتلك الكلمة الشديدة حين قال في الخليفة ووزيره لو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما.
وفي ذلك الوقت الخليفة قائم بأعمال كبيرة ووزيره هذا نظام الملك مشهور ببناء المدارس والرباطات والعناية بالعلماء، ومع ذلك قال فيهم ما قال، واليوم يجتهد بعض المنتسبين في الفقه لإثبات عدالة متتبعي الرخص والمتشبهين بالكفار ولا ينال منهم شيئاً سوى بعض التعليقات الإيجابية واللايكات أو الرتويت، هذا بدلاً من النصح والبيان.
ثم تأمل قوله (ما أنعزل حَتَّى يتَحَقَّق علي الْفسق)
وفيه سر لطيف علق السبكي عليه بقوله: " قلت لعله كان يرى ذلك والمذهب أنه ينعزل وإن لم يفسق"
وأصل المسألة من الفروع الفقهية العجيبة التي يجهلها كثيرون.
وهو: إذا عزل الإمام (الحاكم) القاضي المصلح هل ينعزل أم لا؟
قال المرداوي في الإنصاف (11/171): "وَأَمَّا إذَا عَزَلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتِهِ فَهَلْ يَنْعَزِلُ، وَتَبْطُلُ وِلَايَتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ. وَلَا يَنْعَزِلُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْأَدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -_ يعني ابن تيمية _.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ وَيَنْعَزِلُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: كَالْوَلِيِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَعَقْدِ وَصِيٍّ وَنَاظِرٍ عَقْدًا جَائِزًا، كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ. انْتَهَى. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْقُضَاةَ هَلْ هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ، أَوَالْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِ".
=
..
=
وقول السبكي أن المذهب خلاف فعل هذا القاضي يدل على أنه مال إلى مذهب الحنابلة في المسألة وهو على شافعيته الشديدة كان صاحب اجتهاد، على أن كثيراً من المصنفين في الفقه ذكروا أن مذهب الشافعي مثل مذهب أحمد، وهذا أيضاً يستفاد منه أن ليس كل ما يدعيه المتأخرون مذهباً يسلم لهم.
وانظر هذا الفرع العجيب وقارنه بمذهب أهل الرأي في أن حكم الحاكم ينفذ ظاهراً وباطناً، حتى لو أن رجلاً شهد شهادة زور أن زيداً طلق امرأته فحكم القاضي بشهادته فهذا الشاهد له الزواج بهذه المرأة مع علمه أن الأمر زور!
وقد عني أهل الحديث بالرد على هذا الكلام السوء، منهم ابن أبي شيبة في المصنف في كتاب الرد على أبي حنيفة وكذلك البخاري في كتاب النكاح حيث قال: 6968 - حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر» فقيل: يا رسول الله كيف إذنها؟ قال: «إذا سكتت».
وقال بعض الناس: إن لم تستأذن البكر ولم تزوج فاحتال رجل فأقام شاهدى زور أنه تزوجها برضاها، فأثبت القاضى نكاحها والزوج يعلم أن الشهادة باطلة فلا بأس أن يطأها، وهو تزويج صحيح. (وأبان عامة الشراح من يقصد البخاري بقوله بعض الناس)
وقد قال الشيخ ابن باز في تعليقاته على صحيح البخاري كما في كتاب الحلل الإبريزية: "هذا من أشنع المقالات، والأصل في هذا ما وقع في مذهب الأحناف لأنهم ليسوا بأهل عناية بالحديث وغلب عليهم الجهل في السنة والأصول، فوقع في مذهبهم من المخالفة والخطأ الشيء الكثير".
وقد أشرت إلى هذا لبيان بركة التمسك بالحديث والأثر على أحوال المسلمين عامة، فلما ذكرني حال هذا القاضي بفرع جليل في مذهب أحمد ذكرت ضداً في مذهب أهل الرأي، على أن الصاحبين في مذهب أهل الرأي خالفا إمام المذهب، ومال لقولهما كثير من مال من القوم وتمسك عديدون بذلك الغلط.
السبي الناعم!
سمعت مرارًا عن حوادث سحب الأطفال من عائلاتهم خصوصًا في الدول الإسكندنافية، بالأمس أرسل لي أحد تقريرًا مصوَّرًا لتظاهرات لمهاجرين عامتهم عرب هناك بعنوان: عائلات في السويد تتظاهر ضد دائرة الخدمات الاجتماعية "السوسيال"
تفريغ التقرير المصور:
ولادنا مش للتجارة وين حقوق الإنسان وين الأمم المتحدة وين المنظمات العالمية وين منظمات حقوق الأطفال!
عائلات في السويد تتظاهر ضد دائرة الخدمات الاجتماعية (السوسيال) وقراراتها المتعلقة بسحب القاصرين من ذويهم، تحت شعار "أوقفوا استغلال السلطة والفساد والاتجار القانوني بالأطفال".
طالب المحتجون بمساعدة الأهالي بدلًا من حرمانهم من أطفالهم ومعاقبة الموظفين الذين يتخذون قرارات خاطئة.
أقول: هذه الممارسة الجائرة لها سبب، كنت قد شرحت مرارًا مشكلة شيخوخة الفرد في الدول الإسكندنافية وأن الإنجاب قليل هناك، ولهذا سيأتي وقت يكون فيه كبار السن أكثر المجتمع، وهذا يعطل المجتمع، ولهذا السبب قبلوا بالهجرات.
ولكن الأحزاب اليمينية متوجسة من كون الهجرات ستشكل تغييرًا ديمغرافيًّا في المجتمع فيصير غالبيته من ثقافات غير ثقافة أهل البلد الأصلي.
ولهذا تسعى الأحزاب اليمينية واليسارية كلها لتثقيف أولاد المهاجرين بثقافة البلد الأصل، وأحسن طريقة للأمر السعي لسحبهم من آبائهم لأتفه الأسباب وتنشئتهم بأماكن تحت إشراف الحكومة يلقَّنون ثقافة البلد الأصلية بدون أي مكدرات.