وقفة مع حديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم)
وقفة مع حديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم)
هذا الحديث كاشف لأهواء التنويريين وأدعياء العلمنة وذلك أن عادتهم رد المتواترات في الرجم والرِّدة وعذاب القبر وغيرها ثم هم يستدلون بهذا الحديث الفرد !
ولو نظرت في متنه لوجدت الرد عليهم
ففي الخبر ( أنتم أعلم ) بصيغة أفعل فهم أعلم ممن ؟
هل هم أعلم من الله عز وجل ؟
هذا ما لا يقوله عاقل فضلا عن مسلم ، وإنما هم أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في أمر معين فحسب لا يتعلق به حل أو حرمة أو إخبار عن أمر لا يطلع عليه إلا من خلال النبوة
وليس هذا الأمر مما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم وأقر على ذلك
ولو كنّا على طريقتهم في افتراض التعارض بين النصوص ثم تقديم فهمنا للقرآن على الحديث لقلنا قوله تعالى : {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئَاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئَاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
أولى من هذا الحديث مع ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وهي يوحى غير أن طريقة أهل العلم الجمع
ثم قوله ( دنياكم ) أليس من الدنيا أحكام النكاح والطلاق والبيوع والبر والصلة والقضاء والحدود وغيرها مما تواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي فيها والصحابة يتبعون قضاءه بل من يطرح هذا الحديث نفسه يستدل بأحاديث في هذا الباب إذا وافقت مراده
فالمقصود بالدنيا هنا هذا الأمر الذي لا يتعلق به حِل أو حرمة ولَم يرفعه النبي صلى الله عليه وسلم للوحي ولَم يقر عليه بل أقوى الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن جازمًا باقتراح عدم التأبير فقال : لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً .
وفِي رواية أخرى في الصحيح : ( فلا تؤاخذوني بالظن ) مفهوم المخالفة فيه أنه إذا جزم كان ذلك وحياً وبرهان ذلك حديث: (صدق الله وكذب بطن أخيك) وهو حديث في الطب ومع ذلك نص النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الله .
والعجيب أن لفظة ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) إنما جاءت من طريق هشام بن عروة وعادة القوم الطعن فيه في حديث سن عائشة عند الزواج وحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قبلوه هنا لمَّا وافق ما يريدون علماً أنه في الأحاديث التي يردونها كان متابَعاً من غيره بخلاف انفراده هنا وقد انفرد عنه حمّاد بن سلمة بهذه اللفظة وحماد يخطيء عن غير ثابت وحميد وهو عراقي وفِي رواية العراقيين عن هشام كلام ومع ذلك متن الحديث محمول على ما ذكرت لك وعلى ما يفهم من مجموع الروايات
فتأمل الهوى ما يصنع بأصحابه
ومِمَّا يؤكد ما ذكرت لك من الفهم
ما روى مسلم في صحيحه 3945- [113-1548] عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى ، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي ، فَقَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا ، وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا ، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالأَرْضِ فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى ، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا ، أَوْ يُزْرِعَهَا ، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ.
فتأمل قولهم أنهم كانوا يرون هذا الفعل نافعاً ولكن طاعة الله ورسوله لهم أنفع وفي هذا عبرة لأهل العصر لو عقلوا