هل تنجح تجارة المشاهير في إسقاط العلماء الناصحين؟
هل تنجح تجارة المشاهير في إسقاط العلماء الناصحين؟
النتاج العلمي في آخر أربعين عامًا كان غزيرًا بحق وفيه من الإثراء ما فيه، ولكن وجدت فيه بعض الأطروحات (الرومانسية) إن صح التعبير التي لقيت رواجًا لمناسبتها لنفوس أهل العصر.
كثير من هذه الأطروحات لأهلها شبهة قد يعذر بها كثير من طلبة العلم في بداية الطريق، ولكن الباحث الجاد لا يركن للتقليد، ولا أقول هنا أن عدم الركون للتقليد يعني القفز المباشر لكلام المتقدمين في القرون الأولى، فكتب أهل القرون الأولى على أهميتها ليست هي الوحيدة التي قد تعالج بعض الأطروحات التي فيها نظر.
بل يكفيك أن تنظر بتوسع بنتاج بعض المشيخة الذين جاءوا في عصر ما بعد الاستعمار أو قبله قليلًا لتلاحظ أن كثيرًا من المياه الراكدة اليوم كانت تتحرك بكل انسيابية.
أمر بعض المشاهير وتعيين ما انتهت إليه أحوالهم وحجم ما وقعوا فيه من الأخطاء هذا بحث متخصص، وما كان المرء ليلقيه بين يدي عامة الناس لولا أن بعضهم اتخذ هذا الملف تجارة، فمبجرد ما تبحث بحثًا علميًّا متجردًا وتكون النتيجة ليست حكمًا مخفَّفًا أو اعتذارًا فإنك تدمغ بأنك (تكفر فلانًا) أو (تطعن في فلان) وأنك ما أنصفته، فالإنصاف رديف الحكم المخفف، وهكذا تُقيَّد تمامًا في زمن أهله ما فتئوا يتشدقون بالبحث وحرية البحث.
ويعلم الله أن المرء يتمنى من كل قلبه الهداية لكل ضال، فكيف بالمشاهير الذين بهدايتهم يهتدي فئام من روائهم، والمرء فينا إذا وجد كلمة لواحد من هؤلاء يقرر فيها حقًّا فإنه يفرح بها، ولكن إن لم تجد أدلة تعضد رغبتك فلا أقل من أن تنصح للمسلمين وتبين لهم وأيضًا تدرأ تهمة التجني عن العلماء الذين تكلموا بكلام غليظ في بعض هؤلاء المشاهير.
داعي هذه المقدمة حوار دار بيني وبين أحد الأخوة حول موضوع أبي حامد الغزالي على خلفية ما أثاره بعضهم، ونقل لي كلام البعض عن رجوعه، فقلت له إن رجوع الغزالي لو حصل فذلك ما نتمناه، ولكن هذه القضية ليست يقينية وفيها نزاع بين الناس، والكلام عن هذا الرجل لا يتصل بالكلام على الأشاعرة فحسب، فله خصوصيات، فهناك اتهامات له تجاوزت هذا الحد واتهمته بالدخول في عقائد الفلاسفة بل والقبورية ووحدة الوجود. وسمَّيتُ له رجلين وهما الشيخ عبد الرحمن الوكيل والشيخ محمد حامد الفقي، فتفاجأت أنه لا فكرة عنده عنهما وعما كتباه.
فقررت أن أكتب تعريفًا بهذين الرجلين وموقفهما من الغزالي، وفي هذا إفادة لبيان أنه إلى عهد قريب كان أهل العلم عندهم مساحة من البحث العلمي بعيدًا عن الوصاية الحركية والتجارة بجهل العوام والاستفادة من قيم العصر الإنسانوية التي يستخدمها البعض في خصوماتهم مع الخلق.
الشيخ عبد الرحمن الوكيل أستاذ العقيدة بشعبة الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة، وهو مصري الجنسية من شيوخ أنصار السنة المحمدية من الطبقة الأولى فيهم، ويشترك مع عدد من المؤسسين أنه كان صوفيًّا، ونقده للصوفية مشهور، وهو على طريقة شيوخ أنصار السنة في تلك الحقبة حيث يَجمَع نقدهم نقاطًا قوية وأخرى ضعيفة، وقد توفي الشيخ قبل خمسين عامًا تقريبًا.
كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل مقالات بعنوان [هل تجنيت على الغزالي؟].
هذه المقالات اشتد فيها هجوم الشيخ على الغزالي والمعتذرين له بالاعتذارات المعروفة والمشهورة التي تقريبًا يُعتذَر بها لكل الواقعين في أغلاط عقدية ويكون لهم حظ من الشهرة والنتاج العلمي الجيد، فبنى الشيخ نقده على أن الغزالي تسمونه حجة الإسلام، وحجة الإسلام لا ينبغي أن تُحتمَل منه هذه البلايا، وأن أغلاط الغزالي عظيمة جدًّا يضيق عنها الاعتذار.
سأنقل بعض الكلمات من هذه الرسالة، وحقيقةً لا أريد تقرير صواب كلامه أو خطئه بقدر التنويه على أن هذا الرجل تكلم بهذا الكلام في ذلك الزمان بكل أريحية واعتُبِر ذلك نقدًا علميًّا ما كان محل تشنيع بين إخوانه من العلماء السلفيين.
تكلم الشيخ عبد الرحمن عن توبة الغزالي وقال إنه يرجو أن تكون صحيحة وهذا معناه أنه لا يجزم بها، ثم تكلم عن أنواع مؤلفات الغزالي: "أما النوع الآخر: فكتبه التي كان يؤلفها لعوام المسلمين كما يقول هو، وإنك لتجد في هذه الكتب الحكم بكفر من يقول بمثل الآراء التي بثها في كتبه (المضنون بها على غير أهلها)
وحق ما يقول الإمام الجليل ابن تيمية: وهو في التهافت وغيره يكفرهم وفي المضنون به يذكر حقيقة مذهبهم حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه وكذلك في الإلهيات.
وما يقوله (يعني ابن تيمية) عن كتاب المضنون: هو فلسفة محضة قول المشركين العرب خير منه دع قول اليهود والنصارى".
أقول: هذا الكلام ينقله الشيخ عبد الرحمن من كتاب النبوات، وهو يعتبر من أدق كتب الشيخ في نقد مسالك الغزالي وحكاية حاله، وعليه عوَّل الوكيل في عامة نقده.
=