=
=
وقال ابن قدامة في المناظرة على القرآن: "ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة وإذا حكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها كرهوا ذلك وأنكروا وكابروا عليه ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن وتبجيل المصاحف والقيام لها عند رؤيتها وفي الخلوات يقولون ما فيها إلا الورق والمداد وأي شيء فيها وهذا فعل الزنادقة".
وسبب هذا الخوف الذي يذكره ابن قدامة أنهم يخافون من التكفير إذا صرحوا بخلق القرآن وأن الذي بين أيدينا ليس هو كلام الله.
قال محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (6/38): "ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقا، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة، أو ظلمة المكابرة، والتحفز إلى النبز والأذى: دفعا للإيهام، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام".
فهو يصرح أنهم يخافون من التصريح بعقيدتهم في خلق القرآن حتى لا يكفرهم الناس بتكفير الأئمة لمن يقول بهذا القول.
والخلاصة أن الناس قد اعترضوا على أبيات في البردة ونسبوها إلى انتقاص القرآن، وانتقاص القرآن أشد من انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كفَّر عدد من المتصوفة ابن تيمية بتحريمه الاستغاثة وشد الرحال (كما ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة) ومنهم مَن كفَّر القائل بأن الأنبياء تقع منهم الصغائر، فما عساهم يقولون بانتقاص القرآن، وهم مِن قبل قد انتقصوه وقالوا ظاهره الكفر.
وأجاب المدافعون بجواب لا يجري إلا على أصل الأشعرية نازعهم فيه الحنابلة أشد المنازعة بل مثَّلوا على الواقع بالكفر في كتبهم الفقهية بقول الأشاعرة هذا (ونص المجد في ذلك مشهور).
وقال ابن تيمية في الرد على البكري: "فأشركوا في ربوبية الله، وفي دعاء الله وعبادته، حيث جعلوا ما يضاف إلى المخلوق يضاف إليه تعالى، فصار حقيقة قولهم أن المخلوق تضاف إليه مفعولات الله كلها، ويطلب منه مقدورات الرب كلها" ثم صار يسرد شركياتهم ويمثل لها حتى قال: "ومن هؤلاء _يعني الذين أشركوا_ من يقول في قوله تعالي: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)} [الفتح: ٨، ٩]: إن الرسول هو الذي يُسبح بكرة وأصيلًا، ومنهم من يقول: أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت:
دع ما ادعَتْهُ النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فإن فضلَ رسول الله ليس له ... حدٌّ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم
وانسبْ إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم"
وهذه أبيات البوصيري.
ولهذا مجرد رواية القصيدة لا يقتضي إقرار مضامينها، فهم يروونها ويروون كتب ابن تيمية أيضًا، وحتى إننا نجد ابن حجر يروي ذم الكلام للأنصاري (وفيه تكفير الأشعرية) ولا شك أنه لا يقر بمضمونه ولكن يرويه كما يروون كتب الجرح والتعديل المتقدمة وفيها ما لا يرضون في أهل الرأي (على أن منهم من هو متورط حقًّا بالاستغاثة).