كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الأمور لا تؤخذ بهذه السطحية التي اعتدنا عليها عند هؤلاء.

المصدر
الأمور لا تؤخذ بهذه السطحية التي اعتدنا عليها عند هؤلاء. وممن وافق الشيخين ابن رجب الحنبلي صاحب كتاب الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة. قال ابن رجب في فتح الباري (8/ 261) : "ولا يستثنى مما ذكرناه من الخطب إلا خطبة العيد، فقد قيل:إنها تستفتح بالتكبير. وقد روى عن أبي موسى الأشعري، أنه استفتح خطبتي العيدين بالحمد، ثم كبر بعد الحمد. وهو الأظهر. وكذا قيل في خطبة الاستسقاء. ومن الناس من قال: تستفتح بالحمد –أيضاً. وقد ذكر بعض ائمة الشافعية: أن الخطب كلها تستفتح بالحمد بغير خلافٍ، وإنما التكبير في العيد يكون قبل الخطبة، وليس منها، وإن ذلك نص الشافعي. وكذا ذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن ظاهر كلام أحمد أنه يكبر إذا جلس على المنبر قبل الخطبة، وأنه ليس من الخطبة، فإذا قام استفتح الخطبة بالحمد. وذكروا: قولُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل الخطبة تسعاً، وبعدها سبعاً". فابن رجب يرجح ابتداء خطبة العيد بالحمد. ويذكر عن جماعة من الشافعية والحنابلة أنهم اعتبروا هذا التكبير المذكور في خبر عبيد الله  ليس ابتداء للخطبة، وانما قبلها يكبر وهو جالس، فإذا قام يخطب بدأها بالحمد، وحتى لو قالها قائما يحمد الله بعدها، فيكون هذا الابتداء. ويؤيد دعواهم أن أثر عبيد الله فيه: "قبل الخطبة". وقال ابن أبي شيبة في المصنف: "٥٩٩٤ - حدثنا وكيع عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن القارئ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة وسبعا بعدها". والمذاهب الفقهية بصورتها المتأخرة عامتهم لا يقولون بهذا اللفظ للخبر، وهو أصح الألفاظ، وإنما يتبعون الشافعي الذي يقول بابتداء الخطبة الأولى بالتكبير والثانية كذلك تبدأ بالتكبير، بينما اللفظ الصحيح أن التكبير في الثانية يكون بعد الخطبة، وهذا يؤيد انفصال التكبير عن الخطبة، وأما اللفظ الذي اعتمده الشافعي ففي سنده شيخه الأسلمي الكذاب. وروى البيهقي بسنده عن عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، أن إبراهيم بن عبد الله حدَّثه، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود أنَّه قال: (( مِنَ السُّنَّةِ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى حِينَ يَجْلِسُ عَلَى  الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَسَبْعًا حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ بَعْدَمَا بَدَأَ لَهُ )). وهذا فيه تصريح أن التكبير عند الجلوس وفي سنده الدراوردي صدوق يهم وقال ابن مفلح أن ظاهر كلام عبيد الله أنه يقولها جالسا وقال ابن المنذر في الأوسط: "وروينا عن الشعبي أنه قال: يكبر الإمام على المنبر يوم العيد سبعا وعشرين تكبيرة، وروينا عن الحسن أنه قال: يكبر الإمام على المنبر يوم العيد أربع عشرة تكبيرة، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كبر على المنبر في العيدين إذا رقى سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين تسبيح وتحميد وتهليل، ثم يفتتح الخطبة بعد سبع تكبيرات. وقال مالك: من السنة أن يكبر الإمام في خطبة العيدين تكبيرا كثيرا في الخطبة الأولى، ثم الثانية أكثر من التكبير في الأولى. وقال الشافعي: نأمر الإمام إذا قام ليخطب الأولى أن يكبر تسع تكبيرات تترى لا كلام بينهن، وإذا قام ليخطب الخطبة الثانية أن يكبر سبع تكبيرات تترى، لا يفصل بينهن بكلام يقول: الله أكبر الله أكبر حتى يوفي سبعا. قال أبو بكر: ليس في عدد التكبير على المنبر سنة يجب أن تستعمل، فما كبر الإمام فهو يجزئ، ولو ترك التكبير وخطب لم يكن عليه في ذلك شيء". فهذا مالك مفتي المدينة في زمنه يخالف أثر  عبيد الله، ويرى أن السنة التكبير في الثانية أكثر. والوارد عن أحمد أنه صحح التكبير على المنبر في مسائل ابن هانيء، ولم ينص على عدد ولا على مكان هذا التكبير. والخلاصة أن الناس متنازعون في فهم أثر عبيد الله، ومن قال أن الخطبة تبدأ بالحمد لا ينازع ضرورة في وجود تكبير فيها، وأن الأخذ بظاهر أثر عبيد الله لا ينافي ابتداء الخطبة بالحمد، وأن ابن رجب زعم أن أبا موسى بدأ بالحمد وذلك أرجح من عبيد الله، ومالك نفسه خالف عبيد الله. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (22/394) : "فالذي لا بد منه في الخطبة: الحمد لله والتشهد والحمد يتبعه التسبيح والتشهد يتبعه التكبير وهذه هي الباقيات الصالحات وقال تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين}". فالخطب في المسألة هين غير أن صاحبنا لا بد أن يظهر تعصبه وعجلته.