الإنصاف في الإنصاف
الإنصاف في الإنصاف
بالأمس استمعت لمقطع فيديو على اليوتيوب للدكتور عبد الرحمن الدمشقية بعنوان (فضيحة فضائح الغزالي بالوثائق المصورة).
خلاصة فكرة الفيديو -الذي دام أكثر من ساعة- أن الأشعرية المتحاملين على ابن تيمية لو عاملوا الغزالي بالأسلوب نفسه لأسقطوه، ولكنهم يحسنون الاعتذار لابن عربي والغزالي ثم التحامل على شيخ الإسلام إلى درجة الافتراء كثيراً عليه.
النقولات التي جاء بها في الفيديو جد قوية، وهو رجل خبير في نقد التصوف والأشعرية، وله في ذلك مجهودات ضخمة تراكمت عبر السنين، وقد انتفعت كثيراً بكتاباته وصوتياته.
غير أن هذا لا يمنع من نقد الخطأ إن وجد، وإن أخطأ في حق خصم فلسنا نزعم العصمة لأفراد المنتسبين للسنة، وإنما العصمة لمجموعهم غير أن كل خلل فيهم هو في الآخرين أكبر.
مما انتقده الدكتور الدمشقية على الغزالي إيراده رواية فيها أن الدنيا تقول لله عز وجل: لم تبغضني فيقول: اسكتي يا لا شيء.
والحق أنه لا ذنب للغزالي هنا فالرواية لها حضور في كتب المتقدمين.
قال ابن أبي الدنيا في الزهد 339 - ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا سيار، قال: ثنا جعفر، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: قال أبو هريرة: " الدنيا موقوفة ما بين السماء والأرض كالشن البالي، تنادي ربها منذ يوم خلقها إلى يوم يفنيها: يا رب يا رب، لم تبغضني؟ يا رب يا رب، لم تبغضني؟ فيقول لها: اسكتي يا لا شيء، اسكتي يا لا شيء ".
وسند الخبر فيه كلام ولكن الضعف ليس شديداً.
وهذا أمر يتكرر من أفاضل أصحاب جهود مشكورة لا تنكر في نقد النصرانية والإمامية والصوفية والأشعرية، أنهم ينكرون أموراً ليست محل إنكار (والأمر في الأشعرية أقل ما يكون لأن المنتشر المجاملة في هذا السياق)
وربما أخذ هذه الزلات في النقد -والتي غالباً ما تكون غير مقصودة- بعض المخالفين وركزوا عليها أمام وابل النقد الصحيح كالغريق يتعلق بقشة.
غير أنه ظهر عندنا أقوام ينتسبون للسنة ويقفون عند هذا الباب فحسب ويكثرون فيه إلى درجة التحامل أحياناً، وجهدهم ضعيف في أصل نقد الباطل، ولا ينصفون الموافقين، وإنما يتحاملون عليهم ولا يكتفون بالنقد الصحيح فحسب.
وذلك ليقال عنهم أنهم منصفون وأنهم يمارسون النقد الداخلي، حتى أن من ينظر في كلامهم يشعر أن للمخالفين العقائديين من الحرمة ما ليس للعقيدة الصحيحة نفسها، فالغلط في حق مخالف عندهم أعظم من خلل العقيدة، ولا ريب أن هذا شعبة من شعب الإنسانوية التي تفشو بين الأكاديميين المتأثرين بالنسق الغربي، ثم هم لا يخلصون في هذا النسق ويكتمون ما يخالف الأهواء الحركية!
وهذا كله غلط في فهم الإنصاف وما ينبغي تجاه الخلاف.
وحتى نحقق ما ذكرناه من أن المخالفين لا يحتجون علينا بشيء إلا وهو فيهم أعظم، نجد كثيراً منهم ينكرون تفسير الصمد بالذي لا جوف له، ويزعمون أن هذا تجسيم ويضللون ابن تيمية لقوله بهذا التفسير.
وقال الطبري في تفسيره حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: {الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] : «الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ سَوَاءٌ".
وهذا إسناد صحيح لمجاهد كله أئمة، فهذا إمام المفسرين مجاهد يفتي بهذا الذي يعده ابن فورك تشبيهاً.
وقال أيضاً حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: {الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] : «الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ»
وقال أيضاً حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: {الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] : «الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ»
وروي هذا التفسير عن عكرمة أيضاً.
قال البغوي في الجعديات حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، نا سَيَّارُ، نا جَعْفَرٌ، نا ثَابِتٌ قَالَ: "كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُطِيلُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِلَيْكَ رَفَعْتُ رَأْسِي يَا عَامِرَ السَّمَاءِ، نَظَرَ الْعَبِيدِ إِلَى أَرْبَابِهَا يَا سَاكِنَ السَّمَاءِ ".
وهذا الإسناد هو عين إسناد رواية مالك بن دينار في الرواية التي جاء بها الغزالي ولفظة (يا ساكن السماء) يعدها بعض متأخري الأشعرية من ألفاظ الردة، فمن أراد التشنيع على الشيخ الدمشقية فليشنع على من ينكر لفظة (ساكن السماء) أو (ساكن العرش) ويكفر بها مع معناها أن الله فوق العرش.