هو عذاب وإن ظننتموه نعيما
هو عذاب وإن ظننتموه نعيما
قال تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)
هذه الآية من أوعظ الآيات لأهل هذا الزمان وذلك أن كثيرا من الناس دائماً يتكلمون عن الكفار بإعجاب ويقولون ( دول متقدمة ) وربما قالوا ( إسلام بلا مسلمين )
بناء على ما يرونه تقدماً مادياً ثم يبالغون في مدحهم والثناء عليهم وتحسين أحوالهم ولو بالكذب وبني على ذلك نتائج كثيرة من أهمها تحريف كثير من الناس لمعاني دينية ثابتة سيراً على سنن الكفار
وتمني كثيرين العيش بينهم دون النظر إلى تبعات ذلك الأمر على دينه ودين أولاده
فالآية توجه أنك إذا رأيت الكافر على شيء من نعيم الدنيا الذي تتمناه فلا يعجبك هذا ولكن كيف يعذبهم الله بهذا النعيم في الدنيا ؟
فالجواب : أن ما من نعمة في هذه الدنيا دائمة لأهلها ومن تعلق قلبه بالدنيا جداً استحال نعيمها عذاباً عليه فهو لا يقنع نهائياً وهذا بحد ذاته عذاب ويمنع من الانتفاع بأي نعيم ثم هو قلبه متعلق بهذا النعيم خائف من زواله فإذا زال تم بؤسه
وأما أهل الإيمان فهذا النعيم يحمد الله عليه فيكون له حسنات وإذا فقده صبر وتسلى بالله فيكون كل ذلك شفيعاً له للحصول على النعيم المقيم الذي لا كدر فيه
بل بعض المشاريع التي رأى فيها الغربيون نعيماً استحالت عليهم عذاباً بشهادة عدد من كبار فلاسفتهم
قال راسل في كتابه انتصار السعادة ص 209 :" وقد اقتربنا من هذه المشكلة أكثر عند مرورنا على الصعوبات النفسية التي توجد حالياً في علاقات الوالدين بالأطفال وهي في الحقيقة جزء من مشاكلنا التي نجمت بسبب الديمقراطية ، ففي الأزمان القديمة كان السادة والعبيد وكان السادة يحددون ما يجب عمله ، وكانوا بصفة عامة يحبون عبيدهم حيث أن عبيدهم هم خدام سعادتهم وربما كان العبيد يكرهون سادتهم رغم أن ذلك يحدث بالعمومية التي جعلتنا النظرية الديمقراطية نعتقدها ولكن حتى وإن كانوا يكرهون سادتهم فلم يكن سادتهم يعلمون هذه الحقيقة وكان السادة على أي حال سعداء ، وبالقبول العام للنظرية الديمقراطية تغير ذلك كله ، فالعبيد الذين كانوا مذعنين سابقاً امتنعوا عن الإذعان والسادة الذين كان لا يعتريهم شك في حقوقهم غير مترددين أو متأكدين ، ونشأ الاحتكاك وأدى إلى التعاسة في كل الجانبين وأنا لا أقول هذا كجدل ضد الديمقراطية لأن المشاكل التي نحن بصددها لا بد منها في أي تحول مهم ، ولكن من غير المجدي غض النظر عن هذه المشاكل
والتغير في العلاقة بين الوالدين والأبناء يعد مثلاً مميزاً للانتشار العام لقيم الديمقراطية فلم يعد الآباء واثقين من حقوقهم تجاه الأبناء ولم يعد الأبناء يحسون بأنهم مدينون بالاحترام للوالدين وفضيلة الطاعة التي كانت تؤدى من قبل دون سؤال صارت غير مناسبة للعصر ، وذلك صحيح وقد أفزع التحليل الوالدين المتعلمين خوفاً من الضرر الذي يمكن أن يحدثاه دون دراية لأبنائهم فإذا قاموا بتقبيلهم فربما أوجدوا عقدة أوديب وإذا لم يفعلا فربما يحدثان السخط والغيرة ، وإذا أمروا الأولاد بفعل أمور معينة فقد يؤديان بذلك إلى نشأة الإحساس بالإثم وإذا لم يفعلا يكتسبان عادات يعتقد الوالدان أن غير محببة ، فعندما يقوم الطفل بامتصاص إبهامه يستخلصون من ذلك الاستنتاجات المخيفة ويقعان في حيرة شديدة فيما يتعلق بكيفية إيقافه عن فعل ذلك ، والأبوة التي كانت من المعتاد أن تكون ممارسة للسلطة المنتصرة أصبحت قلقة جبانة ومليئة بالشكوك الواعية فالمتع البسيطة القديمة ضاعت
ويتضح ذلك بالذات نتيجة للحرية الجديدة للنساء غير المتزوجات تضطر الأم للتضحية أكثر كثيراً من ذي قبل حين تفكر بالأمومة في مثل هذه الأحوال تطلب الأمهات ذوات الضمائر الحية القليل من أولادهن بينما تطلب عديمات الضمير الكثير جداً فالأمهات ذوات الضمائر الحية يكبحن جماح عواطفهن الطبيعية ويصبحن خجولات ، بينما الأمهات عديمات الضمير فينشدن من اطفالهن تعويض عن المتع التي عليهن الإقلاع عنها ، ففي حالة يتم تجويع عواطف الطفل وفي حالة أخرى يتم تنبيهها أكثر من اللازم ولا تتوفر في أي حالة من الحالتين سعادة طبيعية بسيطة "
فهنا راسل يقول أن الديمقراطية جلبت التعاسة للمجتمع الغربي لأنها فلسفة تقوم على تحطيم النظام الأبوي ( مع الإبقاء على نظام أبوي خفي ) فضاع الناس لم يعد أحد يعرف حقوقه من واجباته التي ضبطت في مختلف الأنظمة الأبوية فأدى ذلك إلى تيه وتعاسة ولعل هذا يفسر تفجر حالات الانتحار في الكثير من الدول الغربية فهذه الحال العجب هي التي يريد بعض الناس تحريف الدين لأجل الوصول إليها ولو تأملوا لوجدوا كل خير دنيوي وأخروي في اتباع الوحي فتأمل كلام راسل عن التعاسة في الغرب وتذكر الآية ( يريد الله ليعذبهم بها في الحياة) وتأمل هذا يجعل تصل لنتيجة عدم الإعجاب بما هم فيه وهنا يعالج جلد الذات من جذوره
اقتراح قديم جديد
قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)
قولهم ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) هو ما يسمونه اليوم بتجديد الخطاب الديني وإنما يأتي هذا من الركون للدنيا والبحث عن فردوس فيها وغفلة عن الآخرة لذا قال تعالى : ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) فهذا هو سبب هذا الطلب
وكثير من الشباب المتشكك أو الملاحدة أو الحداثيين مشكلته الحقيقية مع النصوص أنها ليست على هواه وليس أن أدلة هذا الوحي من الله غير وافية فكثير منهم مشكلته أن التشريعات ليس الإنسان فيها المركز وإنما الله واليوم الآخر
فعامة التشكيكات ليس غرضها البحث العلمي النزيه فعامتها غير منهجية ومتحاملة وإنما القصد الكسر النفسي للطرف المقابل ليقبل بالإصلاحات الحداثية بحيث تصير الشريعة إنسانوية محضة المركزية فيها لأهواء البشر ممن لا يؤمنون بالله واليوم الآخر !
وحين أحدثك عن هذا فلا يقف ذهنك عند الملحد الصريح والعالماني الصريح ، فهناك أيضاً بعض غلاة الحركيين ممن شغله الشاغل الهجوم على الأحاديث الصحيحة ومحاولة التشكيك بها بأي طريقة ولو بالتعسف وليس القصد نفس البحث وإنما رأى في التراث مناقضة لطريقته الحركية ( المتأثرة بالعالمانية الجزئية ) فأراد إسقاط الثقة بالتراث لكي يصير هو حاكماً عليه لا متحاكما إليه
وكم من واحد رأيناه بدأ بالحديث عن الفتنة بين الصحابة أو انتقاد مواقف العلماء المتقدمين من بعض المخالفين واتهامهم بالغلو ثم بعد ذلك تجد الأمر يصل به إلى القول بنجاة اليهود والنصارى أو التشكيك في أحكام المواريث أو رفض ثوابت هي دون ذلك
الخطوة الأولى كانت لإسقاط الثقة بعلماء أهل الحديث وقد يهيج عليهم علماء المذاهب الأخرى في هذه الحرب ثم ينتقل بعد ذلك إلى إنكار ما اتفق عليه الجميع وأصحاب هذا المسلك درجات وكلهم مطلبهم محدد إصلاحات حداثية في قراءة الوحي ذاك المطلب القديم ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله) ولكن بقناع والتفاف وتمويه ومخرقة وسبب هذا الطلب محاكمة الوحي إلى منظومات لا تؤمن باليوم الآخر أصلاً فلا تعامل هذه الدنيا على أنها أرض اختبار بل أرض قرار فيها فردوس أرضي لهذا أصحاب هذا الفكر لا يرجون لقاء الله إذ لا يفكرون بالأمر جدياً فالله واليوم الآخر لا أثر للإيمان بذلك على منظومة المصالح والمفاسد عندهم
تثبيت مطالب العقيدة وتحصين القلب من قيم الحداثة في آية
قال تعالى : ( قالت ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد )
يقرأ عموم المسلمين في التشهد الصلاة الإبراهيمية ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك ) ويلاحظ أن السنة في التشهد تجري مجرى القرآن في ذكر اسم ( الحميد ) واسم ( المجيد ) مع ذكر الصلاة على آل إبراهيم ( وفي القرآن ذكر الرحمة والبركات )
اسم ( الحميد ) متضمن لكمال صفات الله الفعلية المتعدية فالحميد المستحق للحمد على ما يمن به وينعم وما بنا من نعمة إلا من الله فناسب ذكره في هذا السياق لأنه سياق امتنان والصلاة مقام دعاء ورغبة بما عند الله فناسب ذكر نعمة الله على آل إبراهيم
واسم ( المجيد ) اسم متضمن لكمال صفات الله الذاتية وأفعاله القائمة فيه فالمجيد ذو المجد والتمدح وهذا يتضمن كمال صفاته الذاتية وفي هذه الآية الرد على الجهمية فقولهم ( من أمر الله ) فيه التفريق بين الخلق والأمر الذي كان يستدل به السلف على الجهمية ( ألا له الخلق والأمر ) فالجهمية كانوا ينكرون أفعال الله ويثبتون المفعولات فقط أو يثبتون الأفعال المتعدية وينفون اللازمة وهما متصلان والملائكة سمت ولادتها أمر الله وهي لم تلد فدل على أن الأمر متقدم على نفس الولادة وهذا عين التفريق بين الخلق والأمر
وفي الآية الرد على الرافضة الذين يأبون أن تكون الآية ( إنما يريد ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) نازلة في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون قال ( عنكم ) ولم يقل ( عنكن ) فكانت هذه الآية كالرد عليهم فالخطاب لامرأة من البداية وسميت أهل البيت وقيل ( عليكم ) لأنه دخل معها زوجها إبراهيم في الخطاب وكذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم دخل معهن النبي في الخطاب
وقد كان الإمام المجدد يتعجب من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم آخر حياته وقوله ( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ) فكان يقول تأمل كيف أن هذا الحديث تضمن الرد على الجهمية بذكر الخلة ( فهم لا يؤمنون بها على حقيقتها بل يفسرونها بالافتقار ولا يخفى أن هذا تعطيل محض فكل الخلق مفتقرون لله وقالوا بذلك لأن الله لا تقوم فيه الأفعال الاختيارية من محبة وبغض عندهم ) وتضمنت الرد على الرافضة بالتنويه على فضل الصديق وهاتان الفرقتان هما أساس انتشار الشرك في الأمة حتى أنك لتجد العامي الفاسق أنفر ما يكون من نفي العلو والطعن في الصحابة فضلا عن العالم الفاضل ولكنهم أدخلوا في الأمة من معاني الشرك الشيء العظيم والله المستعان
غير أن السنة في حديث الخليل تجري مجرى القرآن وجرت مجرى التشهد ففي الآية المذكورة الرد على الجهمية والرافضة وذكر فضل إبراهيم وفي التشهد التنويه على فضل محمد صلى الله عليه وسلم ولحوقه بأبيه إبراهيم وما استحق لقب الخلة في الأنبياء غيرهما فكلاهما حارب الشرك السماوي والشرك الأرضي وكلاهما كسر الأصنام بيده وغيرها من الخصائص
وفي الآية معنى عظيم وهو أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً ( فإبراهيم هاجر وترك قومه وأباه ) وأنه لا ينبغي أن نركن للأسباب المعتادة ومن تشبع بهذا المعنى حصن من معاني الحداثة المبنية على تطويع الدين لأهواء البشر ظناً منهم أن النفع في الدنيا لا يكون إلا بهذا التحريف لركونهم للأسباب المعتادة ( مع عدم فهمها كما ينبغي ) ولو علموا أن كل شيء بيد الله وإنما ينال المرء الخير المحض في الدنيا والآخرة بطاعته لما تكلفوا كل هذا التكلف