مشروع أهل الحديث الملهم المغفول عنه !
مشروع أهل الحديث الملهم المغفول عنه !
لم تختلف أمة الإسلام قديماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له أحاديث تشريعية وقد تواتر ذلك تواتراً معنوياً فلا يعرف فقيه في عصر الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين فمن بعدهم لم يحتج بأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون نكير من طبقته حتى أن إنكار ذلك لا يكون إلا بضرب من السفسطة الجامحة
ولا يختلف الناس أن هناك وضاعين وضعوا أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك أناس ليسوا وضاعين ولكنهم كانوا يهمون ويخطئون فيما يروونه عنه
فانبرى جماعة من أفاضل العلماء يذبون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمحصون أحوال الرواة ويختبرون منهم الحي ويسبرون أحوال روايات الميت ويضعون الشروط الشديدة لقبول الحديث وهؤلاء العلماء معروفون في الأمة متفق على جلالتهم يشهد لهم عامة الأقران والشيوخ والتلاميذ بالحفظ والتثبت
هؤلاء أمثال شعبة بن الحجاج ومالك بن أنس وسفيان الثوري ونظرائهم ومن طبقة تلاميذهم عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ونظرائهم ومن طبقة تلاميذهم أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ونظرائهم ومن طبقة تلاميذهم أبو حاتم وأبو زرعة البخاري ومسلم وأبو داود ونظرائهم وهكذا
هذه العصابة معظمهم قضوا الأيام والليالي في جمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسافروا الأسفار الطويلة والكثيرة في طلب الحديث ودونوا في ذلك الكتب وبوبوها وجرحوا وعدلوا وفضحوا الكذابين وأعلوا من شأن الثقات المتثبتين
الملفت للنظر في ( مشروع أهل الحديث ) إن صح التعبير أنه ما حظي من دعم من الدولة إلا شيئاً يسيراً ولا دعم من الأثرياء بل بالعكس الدولة في بعض أطوارها فعلت بهم الأفاعيل كما في فتنة القول بخلق القرآن
فمشروعهم مشروع جماعة من الأخيار في طبقات مجتمعية مختلفة ولكنهم نذروا أنفسهم للذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصانوا السنة إلى يوم القيامة فكل من تعلم علومهم صار في حصانة من تصديق الكذب الواضح على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار عالماً بقدر لا بأس به من السنة الثابتة الصحيحة
لا يخلو قطر من أقطار المسلمين في قرن من القرون من ذكر قواعدهم وعلومهم التي حفظوا بها السنة ولا يغرك قول القائل أن العلماء يختلفون في تصحيح بعض الأحاديث وتضعيفها لهذا علمهم ليس منضبطاً بل هذا الشذوذ الذي يثبت القاعدة ( علماً أن النقاش بينهم أيضاً منضبط بقواعد يتراجعون إليها عند الخلاف وفي الغالب يأتي الخلاف من المتأخرين وإلا المتقدمون كلامهم متقارب في الغالب)
فإن ما من اثنين يشتغلان في الفن إلا ودائرة ما يتفقان عليه أعظم من دائرة ما يختلفان فيه وانظر ما في كتب الموضوعات والعلل المتناهية وما في كتب الصحاح تجد عامة المشتغلين يوافقون على معظم مادة كتب الموضوعات والعلل المتناهية أنها واهية ويوافقون على معظم مادة كتب الصحاح أنها صحيحة
وأما من لم يكن من أهل الفن كبعض الفقهاء والأصوليين ممن يجهلون الحديث وأصوله فهؤلاء خارج بحثنا فهؤلاء ما تعلموا علوم القوم
فتأمل كيف أن مجموعة من الموفقين في أقطار متباعدة قاموا بمشروع علمي بمحكم لا زال يأخذ بلب كل من نظر فيه وهذا المشروع لا تقوم له جامعات اليوم ونحن اليوم في عموم العلوم لا يمكننا أن نضع معايير دقيقة لمن يصلح أن يتكلم ومن لا يصلح أن يتكلم في الوقت الذي تجد فيه المحدثين قبل قرون يقولون فلان ثقة ثبت ثم يذكرون له أحاديث أخطأ فيها ويقولون فلان ضعيف وتجدهم يخرجون أحاديث أصاب بها في كتب الصحاح
ويقولون فلان اختلط عام كذا فمن روى عنه قبل هذا العام فحديثه صحيح ومن روى عنه بعد هذا العام فحديثه ضعيف ، ويقولون فلان حديثه عن فلان قوي وحديثه عن فلان ضعيف ، وغيرها من علامات الدقة والإتقان كل هذا دون حواسيب ودون وسائل اتصال سريعة ودون دعم مباشر من سلطة بل هؤلاء المحدثون أنفسهم ربما لم يكن يعرف بعضهم بعض العاملين معه في المجال نفسه وتأتي أحكامهم متفقة لتوافق المنهج
=