كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حيلة إبطال قيمة تراث العلماء العقائدي باسم تعظيم العلماء!

المصدر
حيلة إبطال قيمة تراث العلماء العقائدي باسم تعظيم العلماء! لو قلت لك: كل ما كتبه العلماء الإسلاميون في باب العقيدة -سواء من أهل الحديث أو من غيرهم- لا يُفيد كبير شيء في تجلية الحق في أي من مباحث الخلاف، لا في الأسماء والصفات ولا في القدر ولا في الإيمان، فضلا عن مباحث الإمامة والصحابة؛ ولهذا عامة المختلفين في هذه الأبواب لا يجُوز عليهم تكفير ولا تبديع؛ لخفاء هذه الأبواب وفشل عامة العلماء المصنِّفين في تجليَتها، سواء منهم من استعان بالكتاب والسنة والآثار، ومن استخدم الجدل، ومن جمع بينهما. لعلَّك ستنفِر أتمَّ النفرة من هذا الكلام، وستقول: إذن ما معنى قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فرُدُّوه إلى الله والرسول" إذا كانت المباحث العقدية الكبرى التي تنازع فيها الناس خفية في حق كل الناس! نعم، قد يُستوعب هذا في بعض أفراد المسائل الخفية في حق بعض الناس، ولكن لا يمكن استيعاب هذا في عامة المباحث التي تنازع فيها الناس وأطلقوا العبارات الشديدة تكفيرا أو تضليلا، وما وجه الإيمان بالفرقة الناجية والطائفة المنصورة والحال هذه؟ ولعلك ستقول أن كلامي السابق هو عين فلسفة السوفسطائية القائلين بتكافؤ الأدلة مطلقا، ولكن بتنزيلها على الخلاف العقائدي الإسلامي الإسلامي فحسب. أقول: الطرح السابق الذي ذكرته حول تراث العلماء العقائدي هو مذهب كثيرين، ومنهم من يرى أن أحوال الأمة لا تستقيم إلا بهذا الطرح، بمعنى تمييع النقاش العقائدي كي يتفرغ الناس للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لها متعلق بالدنيا. ولكنهم لا يُصرِّحون به بتلك القوة والوضوح الذي ذكرته في المقال هنا، ولكنهم يتَّخِذون لذلك حيلة مشهورة يُلبِّسون بها على طالب العلم.. وهي أن يحفظوا أسماء علماء مشاهير يخالِفون عقيدة طالب العلم هذا، فإذا كان أشعريا ذكَرُوا له المحدِّثين والحنابلة والمعتزلة الذين يخالفونه، وإذا كان من أهل الحديث ذكروا له بعض مشاهير الأشعرية. ثم يقولون له: فلان عالم إمام، مَن يجرؤ على تبديعه أو تضليله فضلا عن تكفيره. هذه هي الخطوة الأولى، ثم يدخلون عليه بإعذار العالم والجاهل معا، فأنت إذا عذرت العالم سهُل عليك عذر الجاهل، ثم يتحول البحث العقائدي في ذهنك إلى شبيه البحث الفقهي الاجتهادي، علما أنه حتى الفقهيات فيها إنكار في بعض المسائل التي اتضح دليلها، وقد خفي هذا الدليل على الإمام المتبوع فهو معذور، ولكن من تَبِعَه على غلطه بعد بيان الدليل غير معذور عند المحقِّقين، ولكن هؤلاء الناس يُبطِلون هذا الباب باسم الدعوة المذهبية الصارمة، ثم تجدهم يسكتون حتى عن تتبع الرخص المخالف للمذهبية، ويُسقِطون من المذهبية الأحكام على المخالفين! فيستخدِمون المذهبية للإعذار ويخالفونها إذا أدَّت لحكم على المخالفين شديد. وبطبيعة الحال لا يوجد مبحث عقائدي حكَم فيه علماء أي مذهب على المخالف بالتكفير أو التضليل الشديد إلا وقد وُجد من المشاهير قائلٌ بهذا المذهب، فمثلا القول بخلق القرآن قال به كثير من مشاهير المتكلمين، فإذا جئت تتبع كلام السلف في المدونات العقائدية التي تحكم على صاحب القول بالأحكام الشديدة؛ سمُّوا لك بعض المشاهير وأرهبوك باسم احترام العلماء، وإلا اتهموك بالطعن في العلماء، مع أنهم هُم من يطعن إذ يعتبرون أحكام العلماء على المخالفين غلوًّا وخارجية. وكان بإمكان طالب العلم الخروج من هذا المأزق بالقول أن مجرد الاشتهار بالعلم لا يعصم الإنسان، وأن هناك علماء هدى وعلماء ضلالة، ولكنهم لما ألزموه بالاحترام المطلق للمشتغل بالعلم بغض النظر عن عقيدته أوقعوه في هذا. وستكون المقدمة التي ذكرتُها ابتداءً ماثلة أمامه: التراث العقائدي لم يَصلح لتجلية أي مبحثٍ، بدليل أننا نعذر المخالفين في كل المباحث العقائدية ونسقط عنهم مقتضيات التكفير أو التفسيق ونعاملهم معاملة علماء أهل السنة من كل وجه، فالمعتزلة والأشاعرة خالفوا أهل السنة في باب الإيمان والقدر والأسماء والصفات والنبوات ومنهج الاستدلال، ومع ذلك بحجة تعظيم العلماء مطلقا نُطلق العذر فيهم إلى حد الامتحان بتعديل بعض أعيانهم، إلا نزرا يسيرا نقبل القول بتضليلهم إجمالا، مع التعظيم التام لهم كلما ذُكروا. فما كانت النتيجة؟ إهدار كل الجهود العقائدية لعلماء أهل الحديث على مر التاريخ، وزعم أن بناء تكفير أو تفسيق للمخالف عليها باطل وأن أحكامهم الموجودة في كتبهم غلوٌّ، فكُتُبهم لا تقيم الحجة على مخالف وتُخرج غلاةً؛ لذا ينبغي إهدارها وتحذير طلبة العلم منها. فيبدأ الأمر باحترام العلماء ثم ينتهي بالطعن بصورة خفية بعلماء أهل السنة. هذه الحيلة مطبَّقة بشكل كبير جدا وتُستخدم باستمرار وخُدع بها ما لا يحصيه إلا الله من طلبة العلم، وأصحاب هذه الحيلة يتدرجون معك فيها، فيرضون منك اليوم بشيء وغدا بآخر، حتى يوصلوك إلى المرحلة التي يريدون. وقد كان هذا الأمر مفتاحا لشر كبير، حتى وصل ببعض الناس لعذر حتى اليهود والنصارى (في الحكم الأخروي) وكان مبدأه من هذا الأمر. خسر الدنيا والآخرة ما زلت أتعجب من ذلك الشاب الذي يلحد أو يكفر بسبب ابتلاء وقع عليه أو صدمة من فقد عزيز أو ذهاب أمنية طال شوقه إليها أو بسبب ما يراه من الظلم والشر في الدنيا.. وأقول في نفسي: وهل يجد في الإلحاد أي عزاء؟ إنما العزاء في الإيمان وأن تؤمن بالدار الآخرة وأن تتعزَّى بالله عز وجل وتتقوَّى به، فالبلاء يقوى ويضعف بحسب تعاطيك معه. واليوم انتبهت لآية في القرآن تُصوِّر حال هؤلاء وتشرح حالهم بأوجز لفظ وأدلِّه على المقصود. قال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" إيه والله خسر الدنيا حيث تضاعف عليه البلاء لمَّا أغلق على نفسه باب العزاء ومشاهدة الحكمة من الابتلاء.. وخسر الآخرة بكُفره!