كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قاعدة في ضابط مسائل العقيدة أو الأصول

المصدر
قاعدة في ضابط مسائل العقيدة أو الأصول قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (6/56) :" وأصل هذا ما قد ذكرته فى غير هذا الموضع ان المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية وان سميت تلك مسائل اصول وهذه مسائل فروع فان هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين وهو على المتكلمين والأصوليين اغلب لا سيما اذا تكلموا فى مسائل التصويب والتخطئة واما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم ان الأعمال اهم وآكد من مسائل الاقوال المتنازع فيها فان الفقهاء كلامهم انما هو فيها وكثيرا ما يكرهون الكلام فى كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من اهل المدينة بل الحق ان الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل اصول والدقيق مسائل فروع " هذا النص الجليل لشيخ الإسلام يبين لك ما يشكل على كثير من طلبة العلم في احتمال الخلاف في مسائل خبرية غيبية وذكر بعض المسائل الفقهية داخل المتون العقدية المتكلمون جعلوا قسمة المسائل إلى أصول وفروع أو عقائد وفروع بحسب نوع المسائل فما تعلق بالغيب سموه مسألة عقدية مطلقاً وما تعلق بالعمليات سموه فروعاً مطلقاً وبني على كلامهم هذا البحث المفترض هل تقبل أخبار الآحاد في العقيدة ؟ ولهذا تجد في كلام الجويني والغزالي استشكال ذكر الإمامة في أبواب العقيدة ويجيبون على هذا الإشكال بأجوبة عدة وتجد من تأثر فيهم من أبناء المدرسة الأثرية يستشكل إيراد البربهاري لمسألة التكبير على الجنائز أربعاً في كتاب عقدي ثم تجده يقول ( اختلف السلف في مسائل العقيدة في كذا وكذا ) ثم تجده يتكلم عن مسائل خبرية أدلتها خفية وهي على تعريف الشيخ فروع وتجد عامتها لا ذكر له في كتب العقيدة القديمة أو تجده يثبت الخلاف بين أهل السنة باتفاق متقدميهم وزلل بعض متأخريهم زللاً شاذا مع موافقته للأئمة بالأصول الشيخ هنا يقول أن تقسيم المسائل إلى أصول وفروع عائد نوع الأدلة الدالة على المسألة ومن تأمل متون السلف العقائدية وجدها تنحو على ما رسم الشيخ وبالتالي فإن بحث ( هل خبر الواحد يقبل في مسائل الإعتقاد ) هو بحث لا معنى له لأنهم ما صنفوا المسألة في أصول الدين إلا لظهور أدلتها فضلاً عن قسمة أصول اعتقاد وفروع اعتقاد ويريد المقسم أصول المسائل الخبرية وفروع المسائل الخبرية والمسائل العملية أيضاً فيها أصول وفروع فظهر ضعف هذا التقسيم وتزداد الفكرة وضوحاً إذا علمت أن المخالفين في مسائل الاعتقاد إما قوم يقدمون ما يسمونه عقلاً على النصوص مثل أهل الكلام وأهل الفلسفة ويقولون أن النصوص لا يستفاد منها يقين في الأبحاث الأصولية الكبرى ومنهم من يرى أنه يستفاد منها يقين بشرط عضد ما يسمونه عقلاً لها فهذا الضرب مخالفته هي أعلى المخالفات العقائدية فلو خالفنا متكلم في صفة الهرولة لا من جهة المناقشة في دلالة النص وإنما من جهة اعتقاده استحالة قيام الأفعال الاختيارية في الله عز وجل فهذا خلاف أصولي عقدي وإذا جاء إنسان سني يجوز أن يفعل الله عز وجل الأفعال الاختيارية ثم نازع في دلالة النص من جهة ظاهره على صفة الهرولة فهذا خلاف فروعي لاعتقاد الجميع جواز الأفعال الاختيارية لله عز وجل وإنما وقع الخلاف في فهم النص هذا مع اعتبار ضابط الاتفاق السلفي القديم من عدمه مع النظر لوضوحه وهناك ضرب من أهل الأهواء ضلاله من جهة اعتقاده لبعض نصوص الباب واعتبارها محكمات واعتبار ما يخالف فهمه لها متشابهاً فلا يجمع نصوص الباب ولا يعتد بفهم السلف وربما اتكأ على زلة بعضهم وربما وقع له من التفريط والهوى الخفي ما جعله يجهل نصوص السنة المخالفة لقوله وهذا هو ضلال الخوارج والمرجئة والشيعة وغيرهم ممن يعتد بالنصوص بالجملة فربما تجد الرجل يفضل علياً على الشيخين يحمله على ذلك المحبة الزائدة له فيتحمس لتصديق ما قيل في فضله ويتشكك فيما قيل في فضل غيره مع إثباته الفضل الوارد للجميع في القرآن ( بخلاف الرافضة ) والخارجي المنكر للمسح على الخفين حمله على ذلك أن وجد غسل الرجلين في القرآن وما وجد مسح الخفين وكان منحرفاً عن الصحابة في عصره ولا يطلب العلم عندهم فتوهم بدعية المسح على الخفين ، وهذا عبد الله بن عمر لم يعرف بالمسح على الخفين إلا في زمان أبيه وروي عن عائشة أنها ما كانت تعرف بالأمر وتحيل على علي فيه غير أن مأخذ هؤلاء الكبار خفاء سنة عليهم وليس انطلاقاً من أصل منحرف في الزهد في علوم الصحابة والانفراد بفهم القرآن من هذا افهم لماذا يوردون التكبير على الجنائز أربعًا في بعض كتب العقيدة لأنها الرافضة يرون من شعار مذهبهم التكبير خمسًا ولا يجوزون الأربع وكثير مما زل فيه بعض المتقدمين انقرض بين أهل الحديث وبقيت بقاياه علامة على أهل الأهواء وفهم أصل الوضوح والخفاء يُبين لك مأخذ المتقدمين في كلامهم على أهل الرأي في كتب العقيدة مما لا يفهمه من نشأ على أصول المتكلمين في تقسيم المسائل = = وكثير من المشتغلين يخلطون بين هذا القسم والقسم الأول والواقع أن بينهما فرقاً مع أن هذا القسم ليسوا كلهم بدعهم مفسقة بل فيهم المفسق وفيهم المكفر بحسب ظهور النصوص وأما أصحاب الطريقة الأولى فحالهم التكفير وإن كانوا يوهمون العامة أنهم على طريقة الآخرين بذكر بعض النصوص البعيدة كل البعد عن الدلالة على مذاهبهم وعامة أساطينهم معترفون أن عامة النصوص تعارض مقالتهم معارضة لا تدفع ولهذا لجأوا إلى ما يسمونه تأويلاً أو حتى التخييل من الزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقر الناس على التجسيم تألفاً وكل من نظر في طريقتهم في الاستدلال استبان لهم أنهم لا يعولون على النصوص بالكلية فقط يذكرون بعض النصوص تمويها ومنافقة حتى إذا جاءوا إلى تفصيل مذهبهم في الأصول الكبرى اختفى ذكر النصوص وربما عاب بعضهم على من يذكرها كما عاب صاحب قانون التأويل على الجويني استدلاله بالنصوص على تنزيه الله عن النقص وأصحاب النهج الثاني في متأخريهم صاروا جهمية مع أصحاب النهج الأول فمتأخري الرافضة الإمامية جهمية وكذلك متأخري الإباضية الخوارج جهمية وصدق فيهم ما قال ابن سيرين : أسرع الناس ردة أهل الأهواء وأما خلاف العلماء في الخبريات والعمليات ففي العادة مرجعه إلى الأسباب التي ذكرها الشيخ في رفع الملام وأشهرها عدم بلوغ النص ولو بلغ لقال به أو بلوغه من وجه ضعيف أو الغلط في الجمع بين نصين في الجمع بينهما عسر وخفاء أو اعتقاد صحة ما ليس صحيحًا وفي اعتقاد صحته شبهة أو الاختلاف في فهم نص وكل فهم له نظائر في كلام العلماء المعتبرين وقد أورد شيخ الإسلام على تقسيم المتكلمين المسائل إلى أصول وفروع باعتبار نوع المسائل إيرادات كثيرة من أهمها أن عدداً من المسائل الخبرية فيه خفاء وكثير من المسائل العملية مثل وجوب الصلاة أو حتى مشروعية الوتر أو مشروعية الرجم متواتر قطعي وتأمل كيف أَن الأزارقة خوارج ما كفرهم عمر بن عبد العزيز إلا بعدما أنكروا الرجم ومعلوم صنيع الصحابة مع منكري الزكاة ومثل هذا يرد على من يقول بأصول العقيدة وفروع العقيدة من المتأثرين بالطريقة الكلامية من المنتسبين للمدرسة الأثرية ( وكلمة أصول العقيدة تعني أصول الأصول فالعقيدة تساوي الأصول فتصير فروع العقيدة فروع الأصول ولا يخلو هذا التركيب من اضطراب ووهن ) فإذا قال أصول العقيدة ما يتعلق بالأسماء والصفات مثلاً وفروع العقيدة مسائل الإيمان على سبيل المثال أورد عليه أن مرجئة الجهمية مكفرين اتفاقاً بخلاف المخالفين في الكثير من مسائل الصفات ( عندك ) قال ابن تيمية في الأجوبة على الاعتراضات المصرية :" وهذا مما اتفق عليه سلف الأمة وأئمة الإسلام أن الخبر الصحيح مقبول مصدق به في جميع أبواب العلم ، لا يفرق بين المسائل العلمية والخبرية ، ولا يرد الخبر في باب من الأبواب سواء كانت أصولاً أو فروعاً بكونه خبر واحد ، فإن هذا من محدثات أهل البدع المخالفة للسنة والجماعة" وتكلم الشيخ بكلام دقيق ومحقق في أن المتكلمين يقولون آحاد ومتواتر بسطحية كبيرة فيعتبرون العدد فقط بيد أن أهل الحديث العارفين بهذا الفن قد يصلون لليقين بصحة هذا الخبر بطرق هم يعلمونها من جهة التخصص مثل أوصاف الرواة واختلاف المخارج وانتشار الخبر في مكان يزدحم فيه النقاد فلا يسكتون على هنة وغيرها من الأمور فالأمر ليس متعلقاً بالعدد فحسب وقد شرحت شيئاً من هذا المعنى في مقال لي بعنوان ( قاعدة في أن معظم الأحكام الشرعية ثابتة بطريقة قطعية ) وينبغي التنبيه على أن تدريس العقيدة الأثرية بطريقة المتكلمين تضر وتنفع ونفعها ليس خالصاً ومن أراد تدريس عقيدة أهل الأثر فليقوي علاقته بالأثر وإلا كان عمله تشويشاً على أهل الحق وتطريقاً لأهل الباطل عليهم.