قال الدكتور ملحم قربان في كتابه الواقعية السياسية " قد يقرأ بعض المطلعين على تار
قال الدكتور ملحم قربان في كتابه الواقعية السياسية " قد يقرأ بعض المطلعين على تاريخ الفكر السياسي والمتعمقين في دراسة قضاياه الجوهرية والمتحلين بعمق النظر المتسكشف للمعضلات الدولية في ضيغ أخرى قد يقرأ بعض هؤلاء في هذا المبدأ ترديدا لجوهر المطلب الإنساني الذي تبلور تاريخيا ذلك الجوهر هو الاقتناع الأساسي بأن نوعا من المساواة أو العدالة ينبغي أن يسود وإلا تفككت وتصدعت وانهارات إننا مع هؤلاء لعلى اتفاق أما هذا تفسير هذا الاتفاق فيمكن أن نختلف عليه فإذا أرادوه مطلقا يرغم المهتمين بفض النزاعات بحكم طبيعته على القبول به تعددت لدينا البينات التي توضح خطأ تفسيرهم إننا نذهب إلى أن هذا القانون الطبيعي إلا الذين سبق والتزموا به عن اقتناع وإخلاص وجدية بتطبيقه "
أقول : لكي تفهم هذا الكلام ينبغي أن تفهم أولا ما هي ( الواقعية السياسية )
الواقعية السياسية هي مدرسة تقابل ما تطلق عليه ( الطوباوية السياسية ) ويعنى بها الأفكار المثالية المتخيلة في الذهن والتي لا يمكن تطبيقها في الواقع
تزعم مدرسة الواقعية السياسية أن الكثير من الأفكار التي يطرحها الساسة في سياق الحقوق أفكار ( طوباوية ) نهاية أهلها الإصابة بخيبة الأمل بسبب أنها معجوز عن تطبيقها ثم بسبب هذا الخيال الجامح يمكن أن يرتكبوا الجرائم العظيمة بحجة أن غايتهم نبيلة دون أن يصلوا إلى ما يريدون لأنه مستحيل فتبقى الجريمة ولا نصل إلى الغاية
ويزعمون أن عددا من هؤلاء الساسة يعقلون ذلك تماما ولكنهم يستخدمون الشعارات الطوباوية لكي يسيطروا على الجماهير فخذ مثالا الرأسمالية المتوحشة ترفع شعار الرفاه ثم تحول الناس إلى ماكينات للعمل في مؤسساتها ويبقى الناس يطاردون سراب الرفاه حتى يقضوا وما أصابوه في غالبهم بل قد يستغني الكثير منهم عن رفاه موجود ليطارد ذاك السراب المفقود
وتتعمق الآمال عند بدء عملية سياسية جديدة ثم يعود الأكثر بخفي حنين وتتجدد الآمال عند العملية الأخرى وهكذا. دواليك فقط بعض من حقق مكتسبات من المرحلة السابقة يريد الديمومة لحزبه ليستمر حتى تحقيق الحلم الأكبر والآخرون يريدون هدم ما شرع غيرهم في بنائه ليبنوا على أنقاضه قصرهم المنشود ولا يدرون أن كلها قصور من رمال لن تلبث حتى تزيلها الأمواج والقصور الحقيقية الوحيدة هي قصور الرأسماليين والتي بنيت على قيم مناقضة كل المناقضة لتلك القيم والشعارات التي تقوم عليها العملية السياسية
بل الكارثة الأعظم إذا حصل بعضهم الرفاه ثم اكتشف أنه لا يحتاج إليه بهذه الصورة وأنه تائه فلسفيا في تحديد غايته من الحياة ولعل هذا هو سبب انتحار بعض الناس عند تحقيقهم لغايات كبرى
المدرسة الواقعية تزعم أنها جاءت لتعالج هذا الشطط عن طريق وضع أهداف واقعية ممكنة التحقيق بعيدا عن الخيالات الطوباوية
وهنا سيقفز الحقوقيون ويقولون : أنتم تدعون للاستبداد والظلم باسم الواقعية
فكان جواب المنظرين للواقعية : أننا أيضا ننشد العدالة والمساواة ولكن بشكل معقول وليس طوباويا
العدالة والمساواة بين الناس الملتزمين بالمشروع الواقعي الأخلاقي دون غيرهم وكلما زاد التزامهم بهذا المشروع تزيد حقوقهم وأما من يعارض المشروع فلا حظ له بذلك لأنه إما براجماتي وأما طوباوي لا يعجبه العجب مهما قدم له وسيثبط ويبث روح اليأس
لاحظ أن الواقعية السياسية مبنية على الولاء والبراء الضيق على هذا المبدأ فبماذا يذكرك هذا ؟
نعم هذا الذي إذا كان مبنيا على عقيدة يسمى طائفية وتطرفا ولكنه مدرسة سياسية معروفة وما يقابلها عندهم طوباوية ونحن نوافقهم على أن ما يخالف الولاء والبراء طوباوية بل المثاليون أنفسهم يوالون ويعادون عليه مناقضين لأصولهم لهذا فكرتهم فعلا طوباوية
والأمر المحزن حقا أن كثير من أبناء الحركات الإسلامية تأثروا بالمدارس الحقوقية الطوباوية