هل صح عن الإمام مالك أنه سخر من قراءة متواترة؟
هل صح عن الإمام مالك أنه سخر من قراءة متواترة؟
أرسل لي أحد الفضلاء مقالا لرجل يتكلم عن الإمام مالك، والمقال مليء بالازراء والتحامل، مع أن صاحب المقال كان ممن يظهر الحمية على إمام أهل الرأي فما باله ينال من الإمام مالك، وإن كان نيله مغلفا بالحديث التاريخي، وشيء من الدفاع في مناسبات قليلة مع هجوم وتتبع للثلب يظهر لكل من قرأ المقال، وهنا أضرب مثالا:
قال الكاتب: "وكان مالك كثير السخرية من خصومه، قليل الرد على أدلتهم. جاء في سير أعلام النبلاء (8|105): أن أبا خُلَيْدٍ قال لمالك: «إن أهل دمشق يَقْرَؤُونَ (في القرآن) إِبْرَاهَامُ». فقال مالك: «أهلُ دمشق بأكلِ البَطّيخِ أعلمُ منهم بالقراءة»!! قال له: أبو خليد: «إنهم يَدَّعُوْنَ قراءة عثمان». قال مالك: «فهذا مصحَفُ عثمان عندي» (أي عنده نسخة منه وليس الأصل ). ودعا به، ففُتِحَ، فإذا فيه إِبْرَاهَامُ، كما قال أهل دمشق. اهـ. فهكذا يسخر مالك من قراءة متواترة للقرآن الكريم، دون أن يُكلّف نفسه بقراءة المصحف الذي في بيته (مع أن عمه كان مقرئاً)!"
أقول: لاحظ أنه يقول: كثير السخرية، ثم لا يضرب إلا مثالا واحدا فمن أين أتت الكثرة المزعومة؟
القصة المشار إليها أحالها الكاتب على كتاب سير أعلام النبلاء ولم أجدها بعد البحث في مصدر أعلى.
ومعلوم أن السير كتاب متأخر، ولا يعتبر مصدرا أصليا في المعلومات عن الأئمة في الزمن، وإنما هو جمع جيد من الكتب المتقدمة، ولكنك إن أردت الوقوف على الإسناد:
قال الذهبي في سند القصة: "أحمد بن عبد الرحيم بن البرقي: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا عمرو بن حسان"
والذهبي لم يدرك البرقي، فهو إما ينقل عن كتاب له وإما قص السند، واذا قص السند فالرواية لا تصح لجهالة الوسائط بين الذهبي والبرقي.
وإن كان ينقل عن كتاب للبرقي ففي السند عمرو بن أبي سلمة ضعفه جمع من النقاد، لهذا اختار صاحبا تحرير تقريب التهذيب أنه ضعيف يعتبر به، وفي متن القصة نكارة.
وشيخه عمرو بن حسان يبدو لي جهالته، وليس هو عمرو بن حسان البرجمي الكوفي فإنه لا يروي عنه إلا الكوفيين وهو مقل، وعمرو هنا يظهر أنه شامي من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه وهو شامي.
وقال محقق السير في طبعة الرسالة معلقا على هذه القصة: "يغلب على ظني أن هذا القصة مفتعلة على مالك، إذ كيف تعزب عنه هذه القراءة وينكرها على أهل دمشق وهي ثابتة في مصحف عثمان الذي هو عنده كما جاء في آخر الخبر".
ومما ورد في المقال في سياق الازراء على الإمام مالك: "وروى حيان بن موسى المروزي قال: سُئِلَ ابن المبارك: مالك أفقه أو أبو حنيفة؟ قال: «أبو حنيفة (أفقه من مالك)». وفي تاريخ بغداد (13|343) عن محمد بن مقاتل (أبو الحسن الكسائي، ثقة متقن) قال: سمعت ابن المبارك قال: «إن كان الأثر قد عُرِفَ واحتيج إلى الرأي، فرأي: مالك وسفيان وأبي حنيفة. وأبو حنيفة: أحسنهم وأدَقّهم فِطنةً وأغوصهم على الفقه. وهو أفقه الثلاثة»".
أقول: خبر محمد بن مقاتل في سنده ابن المغلس وهو كذاب وضع مناقب لأبي حنيفة، فما فائدة تحقيق حال ابن مقاتل وفي السند إليه كذاب هذا فيه نوع تغرير بالقراء، وكذا الرواية الأخرى ساقطة أيضا.
وفي المقال أمور أخرى، وإنما أردت التنبيه على هذا ليأخذ القارىء حذره مما يتبقى، وينظر بعين الناقد.