=
=
السبب الرابع: مقارنة النفس بالأغنياء المتصدقين أصحاب الصدقات العظيمة
كثيرون يمنعهم أن يقولوا: فلان الثري هو الذي يتصدق وفي صدقته كفاية أما أنا فما تغني صدقتي.
وبعض هذا المعنى تقدم نقضه فيما سبق، وفي الباب أثر موقوف لأبي هريرة يعالج المشكلة من أصلها (ويلاحظ عناية أبي هريرة بباب الصدقة وروايته لكل ما ينقض إشكالات المثبطين عن الصدقة)
قال ابن المبارك في الزهد: نا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم قال: قال أبو هريرة: «سبق درهم مائة ألف درهم، قد كان رجل أو كأنه رجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق به، وكان رجل ليس له إلا درهمان فأخذ خيرهما فتصدق به».
فالمسألة نسبة وتناسب، وإذا كنت قد تسبق الغني لأنك تتصدق بعشر ما معك وهو يتصدق بواحد على الألف فأنت بهذا الاعتبار بذلت أكثر منه، فهنا لن تستصغر نفسك أمامه.
ويشهد لخبر أبي هريرة الموقوف هذا خبر مرفوع في الصحيحين من حديث أبي هريرة: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان».
وقال أحمد في مسنده 8702 - حدثنا حجين، حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول».
فلاحظ اليوم الناس ما أكثر ما تذرف دموعهم على مشهد الصدقات والتبرعات للفقراء والمساكين الذين ضاق بهم العيش.
ثم تجد كثيرين يستهينون بأمر الدين، ولا يحث الناس على هذا الأمر شيء كأمر الدين، ومنهم يستهين بالسنة أو يستهين بالصحابي أبي هريرة، وها أنت ترى أمامك كيف أنه رضي الله عنه خصه النبي صلى الله عليه وسلم بجملة من الأحاديث التي تبدد البخل وتحث على السخاء ولها شواهد في القرآن علمها من علمها وجهلها من جهلها، وكم أدخلت هذه النصوص من فرحة على القلوب.