بين ترائي الناس للهلال ورؤية الله عز وجل يوم القيامة..
بين ترائي الناس للهلال ورؤية الله عز وجل يوم القيامة..
بمناسبة ترائي الناس لهلال شهر رمضان خطرت لي هذه الخاطرة 'حال الناس مع الأهلة كحالهم مع الحقائق الشرعية'.
فمن الحقائق ما هو خفي إنما يراه قلة من الناس، ويجب على البقية أن يتبعوهم إن وثقوا بهم، وهذا حال العامي مع المفتي المتدين، وهذا حالنا عند الترائي ننتظر شهادة الواحد أو الاثنين فنأخذ بقولهم، وحالنا مع السلف فهم إذا أجمعوا فقولهم مقبول كقبول شهادة العدول، وقد كانوا أبصر بالشرع منا.
ونحن نتم الشهر إن لم نجد شهادة وهذا نظير إعمال القياس أو الاستصحاب إن لم يوجد خبر، فإن وجد خبر فلا مجال للقياس أو الاستصحاب.
ومن الحقائق ما يدركه من تطلبه، ولا عبرة لمن غفل عنه أو تغافل بأن لم يعمل بصره لم يضر من رآه، وهذا حال أحوال القمر قبل البدر وبعد الهلال فمن يراقبه يبصر الأمور.
ومن الحقائق ما هو كليلة البدر يبصرها كل مبصر، وهكذا الحقائق الشرعية الأصلية التي يفصل فيها بين الإسلام والكفر.
ولهذا من آمن بهذا كما ينبغي استحق أن يرى الله عز وجل يوم القيامة كما يرى البدر، إذ آمن بآيات ربه البينة التي كانت كالبدر فاستحق لقاءه.
وتجد الإشارة لهذا المعنى في آية شهر رمضان قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ...} [البقرة].
تأمل {هدى} و {فرقان} و {بينات} كلها تلتقي مع الوضوح الذي يضاهي رؤية البدر.
وأما أهل الكلام فزعموا أن الوحي لا بينات فيه لكلامياتهم التي من آمن بها عادى ظواهر النصوص.
فحرموا رؤية الله عز وجل يوم القيامة إذ كفر عامتهم بها، ومن آمن بها لم يجعلها مثل رؤية القمر بل قال هي إلى غير جهة، وانتهى إلى معنى لا يشبه الرؤية بشيء.
قال تعالى: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف].
وكم من إنسان يقبل على القرآن في شهر نزول القرآن ولكنه لا ينزله منزلته الحق من أنه بينات وفرقان وهدى، بل يزعم غموض الحق جداً في عامة المطالب العلية، ويزعم أن الأصل في البشر أنهم كالعميان أمام أنوار البدر الموجودة في الوحي، مع أن الأعمى قد يهتدي بأخبار المبصرين، كما أننا نهتدي بخبر الشهود أحداء البصر في أمر الرؤية.
المعلومات تتعلق بالشخص هل مثله يعرف أو يجهل، كما أن المرئيات تتعلق بالمشاهد هل هو حديد البصر أم بصير فحسب أم أعشى أم أعمى.
وتتعلق بالمعلومات نفسها هل هي ظاهرة في نفسها أم خفية، كما أن المرئيات منها ما هو واضح كالبدر ومنها ما هو خفي كهلال دخول الشهر، ومنها ما حال دونه غيم ومنها ما الغيم لا يحجبه.
الناس اليوم إما جفاة عندهم قرائن لخفاء الأمور ولا حضور لأي قرائن لظهورها، أو يرجعون الضلالة لسلوك الضال إن كان مؤدبا عذروه وإن كان سيء الأدب جرحوه.
وإما غلاة لا يراعون الفوارق بين المسائل ظهورا وخفاء.