كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حيثما وُجد الربا وُجد الرّق والزنا...

المصدر
حيثما وُجد الربا وُجد الرّق والزنا... هناك منظمات حقوقية تعنى بمحاربة الرّق المنظم في زماننا، ولو نظرت في عامة مواقعهم فستجدهم يتحدثون عن أن الديون على الفرد هي من أهم أسباب الرّق، بمعنى أن إنسانًا تكون عليه ديون متراكمة فيعمل بصورة تشبه الرّق ليسدد ديونه عند صاحب الدين. وفي كثير من هذه الأحيان يكون المديون أنثى وهنا تظهر صورة الرّق الأبيض (أي الدعارة)، والذي تُصنِّفه الكثير من المنظمات الحقوقية بصفته صورة من صور الرّق (وبعضهم يحدد ذلك في سن معين)، وليست الديون هي السبب الوحيد ولكن غالبًا يكون السبب ماليًّا متعلقًا بظروف اقتصادية سيئة مع ضعف تكافل مجتمعي. واتساع الفجوة بين الطبقات الغنية والفقيرة يرجع بشكل رئيسي إلى الأنظمة الربوية التي تقوم عليها الرأسمالية الحديثة، لذا انتهاء الرّق مجرد حلم جميل ولكن الواقع خلاف ذلك. إذا فهمت هذا ستفهم ما ورد عن بعض السلف مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار من جعل الربا أشد من الزنا (وروي مرفوعًا ولا يصح) وذلك أن الجشع الذي يمثله الربا هو مفتاح الزنا المنظم (الدعارة). وفِي القرآن إشارة بديعة إلى هذا المعنى. قال تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". تأمل ذكره سبحانه وتعالى للمكاتبة قبل النهي عن إكراه الفتيات على البغاء، وبينهما صلة لطيفة.. فلما كان حب المال والذي يتمثل بالربا وأكل أموال الناس بالباطل ككل هو مفتاح إكراه الفتيات على البغاء طمعًا (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا).. جعل الله قبل هذا النهي الحضَّ على ما يُناقِض أخلاق الربويين، وهو عقد المكاتبة، وهو أن تسمح لعبدك أن يشتري نفسه منك، ثم أرشد سبحانه لعكس صنيع الربويين فقال: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم"، المرابي في العادة يكون بينك وبينه دين فيزيد عليك فوق ما أعطاك، والمكاتب هنا أُمر بنقيض هذا، وهو أن تكاتب العبد على شيء ثم إذا جاء بالمال أن تعطيه قسمًا من المال يبدأ به حياة الحرية، وشاء الله أن يدخل المال في حيازتك ثم تعطيه إياه لتُناقِض سلوك أهل الربا من كل وجه، ويبدأ الأمر مع العبد بعقد استيثاق (بيع وشراء) وينتهي بارتفاق (عطية أو هبة أو صدقة). لهذا تناسب أن يُقرن هذا الحكم بالنهي عن إجبار الفتيات على البغاء، لأن باب إجبار الفتيات الجشع، وفِي المكاتبة بالصورة الإسلامية تنقية للقلب من هذا الجشع عند إنسان لا زال فيه نوع رغبة بالربح، فأقر القدر المعقول من طلب المنفعة وألغي الجشع. إذا فهمت هذا تعلم أن أسوأ صور الرّق لا يحاربها بصورة عملية إلا الإسلام. واليوم هناك صور مخفَّفة مثل المتاجرة بأجساد النساء في الفضائيات والأسواق تحت مسميات مختلفة وتحت شعار (جلب الزبون) أو (جلب المشاهد) أو (تحسين الاقتصاد).. وهذا هو هو.