كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

سلامة اعتقاد أهل الجنة...

المصدر
سلامة اعتقاد أهل الجنة... قال تعالى في وصف أهل الجنة: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} [الطور]. هذه الآيات فيها إشارات إلى جمل عقائد أهل السنة: فقولهم: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} المشفق يقابله الآمن من مكر الله، وهذا أشبه ما يكون باعتقاد أهل الإرجاء الذين يصفون أنفسهم بأنهم مؤمنون كاملو الإيمان، ولا يقولون بالتلازم بين الظاهر والباطن فضعفت شفقتهم إن لم تعدم. وقد كان الصحابة على فضلهم يخشون على أنفسهم النفاق. ويقابل المشفق القانط من رحمة الله عز وجل، وكثيراً ما يقع الناس في القنوط من الوسواس، ووهم الكمال، وغلو الوعيدية، ومن تأثر ببعض أقوالهم. وقولهم: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} فيه الخروج من غرور القدرية الذين يزعمون أنهم يخلقون أفعالهم، وينسبون كل الفضل لأنفسهم، فهؤلاء يَعون أنهم وإن عملوا الصالحات فإن توفيق الله عز وجل هو الطاغي، وأنه سبحانه جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئة لا تُجزى إلا بمثلها، وجعل لهم كفارات الذنوب، وشفاعة الملائكة والمؤمنين، وغيرها من مظاهر فضله ورحمته التي لا تُحصَر إلا بكلفة، فأرجعوا الفضل له سبحانه. وقولهم: {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} فهنا بيَّنوا أنهم مع مشاهدتهم لفضل الله عز وجل إلا أنهم لم يكونوا تاركين للعمل، وقالوا {ندعوه} ولم يدعوا غيره من ملك أو نبي أو ولي، وعللوا ذلك بقولهم {إنه هو البر الرحيم} فمن يستغيث بالمقبورين هل يظن أنهم أقرب أو أبر أو أرحم من رب العالمين. كثير منهم يقول (ذنوبي كثيرة فكيف أدعو الله مباشرة) فيقال له (إنه هو البر الرحيم) فالولي الذي تظن أنه يرحمك مع ذنوبك الله عز وجل أرحم بك منه. ونحن نعقل في المخلوقات وجود البر والرحمة بينهم، ونعقل أن الله عز وجل بر رحيم سبحانه، وما اقتضى ذلك تشبيها ولا تمثيلاً، بل كمال لله عز وجل، فهكذا قل في عامة الصفات وأرِحنا من وساوس التعطيل. وتأمل قولهم: {ووقانا عذاب السموم} اليوم ما أكثر ما يتذمر الناس من الخطاب الترهيبي مع أنه يتضمن الترغيب، فالناس لا يسلمون من العذاب إلا ويحل لهم الثواب، ولهذا أهل الجنة وهم في الجنة يتذكرون السلامة من العذاب وأنهم كانوا مشفقين منه في الدنيا، فإذن كانوا يسمعون خطاباً فيه ترهيب وإن لم يكن كله كذلك. بل ذكروا عذاب السموم وذكروا اسم الله البر الرحيم فجمعوا بين الترغيب والترهيب، وتأمل أنهم في الرهبة ذكروا النار وأما في الرغبة فذكروا اسم الله عز وجل وكل أسمائه حسنى وتملأ القلب رغبة، وفي الحديث «إن رحمتي سبقت غضبي». فمن كان مشفقاً لا يتتبع الرخص ولا يزكي نفسه، بل إذا أذنب استغفر ودعا الله عز وجل وحده، ولم يدع معه غيره، ولم يحمله على ترك العمل القنوط أو الأمن من مكر الله، رُجي له أن يكون من هؤلاء، ومن عرف عقيدة أهل السنة وفهمها تمام الفهم كان أولى الناس بهذا إن وافق علمُه عملَه.